لا يأتي كمجرد رقم في تقويم، بل يصل إلينا ونحن غافلون، كبقعةٍ خضراء تنبت فجأةً وسط صحراء من الركض اليومي الحثيث. هو ليس “شهرًا” بقدر ما هو فرصةٌ لاسترداد أنفسنا من ضجيج العالم، تمامًا كما يقرر مسافرٌ مرهق أن يضع حقائبه الثقيلة جانبًا ليتنفس بعمق للمرة الأولى منذ عام.
وعوض أن تزدحم الأسواق، وتُضاء الفوانيس والزينة، وتُهيأ الدار، حري بنا أن نُضيء أعماقنا ونغسل أرواحنا في عملية “جرد” صامتة تجري في دواخلنا. الاستعداد الحقيقي للشهر الفضيل لا يبدأ من المطبخ، بل من تلك الزوايا المنسية في قلوبنا. إن الاستعداد الروحي عملية “تخلٍّ” قبل أن يكون “تحلٍّ”؛ أن نترك خلفنا ما لا يشبه النور فينا.. أن نترك ما يثقل قلوبنا وأرواحنا، وكأننا نحاول الصعود إلى قمة جبل ونحن نحمل صخورًا من الضغائن والقلق التافه.
نحن لا نصوم عن الطعام لنختبر الجوع، بل لنصمت قليلًا عما حولنا، فنسمع بوضوح ما بداخلنا. الصوم هو تمرين احترافي على “السيادة”؛ أن تخبر رغباتك أنك أنت القائد، ولست التابع لشهواتك التي قيدتك عامًا إلا شهرًا كسرْتَ فيه قيود المعاصي والذنوب. رمضان ليس “ماراثوناً” ننطلق فيه لنصل إلى خط النهاية ثم نعود لمقاعدنا القديمة. إنه يشبه تمامًا عملية “إعادة ضبط المصنع” لهاتف مثقل بالبيانات غير الضرورية.
المفاجأة الحقيقية ليست في عدد الساعات التي صمناها، بل في ذلك الشخص الذي سنكونه صباح العيد. هل سنعاود وضع القيود التي خلعناها، حول أعناقنا؟ أم أننا سنصبح أحرارًا أخيرًا، وندرك أن رمضان لم يكن مجرد ضيف جاءنا على حين غرة، بل كان “مرآةً” أرتنا أجمل ما فينا وغادرت لتمتحن قدرتنا على الحفاظ على ذلك الجمال.
*كاتبة بحرينية