يُشار له بالفرصة الذهبية – التي تمتد 29 أو 30 يومًا – لحين يستقوي فيه الإيمان في العبد ويقترب من ربّ الأرباب المسافات، من بعدما اختصه بفضائل جمّة وخصائص عدّة، جعلته أكثر شهور العام قدسية، لبعدئذٍ تُفتّح إليه أبواب الجِنان وتُغلّق عنه أبواب النّار وتُسلسل فيه بواعث الشيطان وإنعام سكون ليله بالقدر المباركة ونزول خاتم الكتاب، الذي له ثواب تلك العمرة المُعادلة للحجّة وتكفير كلّ الخطايا المرتكبة عليه واستجابة الدعاء منه والوفاء بثاني فرائض أركان الإسلام، وسط ساحات عباداته العظيمة بالصيام عن المحرمات - قبل المشروبات والمأكولات – ووصل الرحمات وقيام الليل بالصلوات والنافلات والدعوات وتلاوة الكتاب بالقراءات وإعطاء الصدقات وإطعام ذوي الحاجات وإفشاء التحيات واعتكاف للحسنات على منهاج ابتهال الخالق المتعال تضرعًا بالذكر والتسبيح والخشوع والاستغفار.
هذا المنهاج الذي يفتقد الرّياء ظاهرًا وباطنًا – والممتد من 29 – 30 يومًا بأوقاته التي تبدأ من طلوع الفجر إلى غروب الشمس – يُشار له بـ “المدرسة” الخالدة التي أنشأها الحقّ تبارك وتعالى بما تفيض فيه بالجوائز وتغصّ بالمكافآت، بعد أنْ صُيّر الانتظام في صفوفها (إجباريًّا) على المكلّف القادر البالغ العاقل الذي يستقي الدروس العظيمة في تفجير ينابيع الرحمة وخزائن العطف على الفقراء والمساكين والمحتاجين واقتناء الفضائل ومقارعة الشيطان واتقاء الشُّرور وإضعاف (سلطان العادة) إلى تقوى النفس وقوة الإرادة وانضباط الذَّات ومراس التّحمل وغذاء الصبر – عمليًا - على مشاق الجوع والعطش ومجاهدة النفس وكبح أهوائها ورجم رغباتها وإخلاص النية على الطاعات بالصلاة والقراءة والذِّكر والتسبيح والدعاء والقيام والتهجد والتفكر والتدبر.
نافلة:
كثيرًا ما يعوز لحالةٍ كحال هذه الفوضى – فوضى الروح المليئة بآثار الذنوب وثارات المعاصي – زلزال من الإنابة الصادقة والتوبة النصوح من أجل أنْ يخمدها إلى سبيل طاعة الرحمن في أيام وليالي هذا الشهر الفضيل الذي تُسْكَبُ فيه العَبرات وتُقال فيه العثرات وتُعْتَق فيه الرقاب من النار؛ اعترافًا بالذنب وإقلاعًا عن الآثام - ولو كانت كزبد البحر - في أوقات فضيلة تتنزل فيها الرحمات وتُغْفَر السيئات وتُضاعف الحسنات وتُفتّح أبواب الجَنة بخيرات وبركات، وتُغلّق أبواب النار برحائم وفضائل، تزيد منه لباغي الخير وتُضعف لباغي الشر، في مضمار تتسابق الأقوام فيه بالعبادة والطاعة لمرضاته، حتى فاز من سبق منهم وخاب من تخلّف عنهم، بل وفيه يُرحم المرحوم بخيره ويُحرم المحروم من خيره!.
اَللّهُمَّ اَعِنّا فيهِ عَلى صيامهِ وقيامهِ، وَجَنِّبنا فيهِ مِن هفواتهِ وَآثامِهِ، وَارْزُقنا فيهِ ذكركَ بدوامهِ، بتوفيقك يا هادي المُضِّلينَ.
كاتب وأكاديمي بحريني