العدد 6325
السبت 07 فبراير 2026
رحيلُ الوالِدَين!
السبت 07 فبراير 2026

يُنقل أنّه كان يعيش مع والديه في بيت متواضع من بيوتات قريته الصغيرة وسط أجواء مليئة بالمحبّة والمودة، حيث كان والده يفيض بالحكمة ووالدته تزخر بالعطاء. وقد اعتاد أنْ يجد ابتسامتهما كلّ صباح وكلماتهما الدافئة كل مساء. ومع مرور السنوات، انشغل بعمله ليبدأ زيارتهما على فترات متباعدة، ظانًا أنّ الوقت طويل، وأنّهما سيبقَيان في انتظاره. وفي أحد الأيام، تلقى اتصالًا قلب حياته رأسًا على عقب عندما علم برحيل والده بهدوء، تاركًا خلفه وصية قصيرة جدًا: “كُنْ رحيمًا بأمّك يا بُنيّ، فهي جنّتك في الدّنيا”، إلا أنّ المرضَ لم يمهلها طويلًا، فهي رحلت الأخرى، تاركة فراغًا لا يملأه شيء؛ حتى أدرك أنّ برّ الوالدين لا يُؤجل لمن كانوا يُحبونه بلا شُروط!

نعم.. هو واجب ديني مقدّس وفضيلة دينية عظيمة حين قرن جبّار السماوات والأرض بها عبادة العبد بالإحسان إليهما والبرّ بهما أحياء أو أمواتًا، وأنّهما سبّب كبير لرضاه وعلّة لعظيم عطاياه وباب من أبواب فردوس جنانه وبركة لفسيح رزقه وإطالة لمديد عمره. كيف لا، وهما الأساس المرتكز في حياة الإنسان بما يمثلانه من داعم نفسي وتربوي وباعث للأمن والأمان ومرسّخ للقيم والأخلاق، وجالب للبركة والخير في فضاءات الصلاح والإحسان منذ الولادة وحتى الممات، إلى حيث علو الشأن في الدنيا وطيب الذكر بين الخلائق وتكفير السيئات وتضعيف الحسنات وإزاحة الكرب والهموم.

إنّه كلّه العبادة العظيمة التي تجلّت في “برّ الوالدين” حتى احتلّت أهميته المرتبة الثانية من بعد الصّلاة، وصُيّر الجهاد بعده في الفضل.

نافلة:  

 

الحاج مُحسن إبراهيم المحاري الذي رحل عن هذه الدنيا قبل ثماني سنوات (يوم الاثنين 13 ربيع الثاني 1439هـ الموافق 1 يناير 2018م)، والحاجّة خديجة عبدالعزيز المحارّي التي رحلت عن هذه الدنيا قبل ثلاث عشرة سنة (يوم الخميس 4 شعبان 1434هـ الموافق 13 يونيو 2013م). هما والِدَاي المغفور لهما، واللذان رحلا إلى وطن النائمين الأبديّ بعد أنْ تركا فراغًا لا يُملأ وحنينًا لا يهدأ في جولة فناءٍ يقهر بها الربّ الجليل عباده الضعفاء لِمَحِيْنٍ “صار فيها اللّحد عن عِوض السرير وفُرش التّرب عن فرش الحرير”، إلى مَحِيْنٍ من خلفٍ لسلف يستمر فيه الدعاء الصادق لهما وتبقى عليه الذكريات الجميلة عنهما، سيّما في أيامهما هذه – التي يستهلانها من منتصف شهر شعبان – وكأنّهما خلية نحل يعدّان “عسل” موائدها لنيل شرف ضيافة ضيوف شهر الرحمات في كلّ عام.  

ربّ أَنِرْ قبريهما بنور عرشك، وأمطر عليهما بسحائب رحمتك، وأنزلهما منزلًا مُباركًا، واحشرهما مع النّبيين والصديقين والشهداء وحَسُنَ أولئك رفيقًا بطيبِ ثراهما وإكرامِ مثواهما.

 

كاتب وأكاديمي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .