+A
A-

الشعلة: غرفة التجارة.. تغيرت!

  • مـا كانـت فيـه “الغرفة” يختلـف عمـا أصبحـت عليـه

  • لـم تساهــم بــأي مشــروع فــي رؤيـــة 2050

  • الذكاء الاصناعي لم يهبط من السماء.. لكنه من صنع أيدينا

  • “بعبــع” رجـــــال الأعمـال تطور من التاجر الأجنبي للتكنولوجيا السحابية

 

لم يكن طريق الوصول سهلاً، ولا الإقناع يسيرًا، ذلك الذي قادني بعد انتظار، وتوجني بعد محاولات بهذا اللقاء التاريخي مع أكثر الشخصيات جدلاً في تاريخ أعرق غرفة تجارة في الخليج، هل كان مع الصحافة أم مع التجار؟ هل كان مع “الغرفة” أم كان عليها؟ مواقفه محيرة، وتصريحاته غامضة، أصدقاء الأمس هم أصدقاء اليوم، لا عداوات لديه، ولا مآخذ عليه، فقط ذلك الاشتباك المتواصل مع “الميديا”، وفقط تلك الحالة البنيوية أو السردية الخالصة لصناعة الرأي والرأي الآخر. 
تاريخ “غرفة” في مواجهة مع مواقف “رجل”، إنه عبدالنبي عبدالله الشعلة، الصحافي والتاجر والعضو البارز في مجلس إدارة الغرفة بعصرها الذهبي، وهو أيضًا الشوري والوزير لأكثر من حقيبة، والمفكر المثير للبدائل والمتغيرات في حياتنا التجارية والثقافية، ورئيس مجلس إدارة دار البلاد للصحافة والنشر.
لقد وعدت قبل نحو أسبوعين بأن ألتقيه ربما في حفل توقيع كتاب من مؤلفاته أو لقاء عابر في فعالية، أو من خلال مكالمة هاتفية ارتأينا أنها لا تكفي، من هنا تحقق الاتفاق الصعب، لقاء موسع على منصتين: “البلاد” (الورقية والإلكترونية)، و “البلاد” (فيديو وبودكاست). 
وبالفعل تم اللقاء، واتفقنا على محاوره، وارتضينا بأن يكون الحد الأدنى واضحًا، والحد الأقصى مفتوحًا، وكان هذا الحوار.

ما كنا نراه!
قلت للسيد الشعلة: في البداية لا أجد من المقدمات ما قد يفي بطبيعة المرحلة، ولم أعثر من بين الملفات على الكثير من المحاور التي قد تصلح إلى إثارة ما كان راقدًا تحت التراب، أو ما كان مخفيًا ولم يكن في عداد الأموات، وأنا طول الطريق أفكر يا ترى يا هل ترى، فنحن على بعد أمتار قليلة من انتخابات الدورة الـ31 لمجلس إدارة غرفة البحرين، وهذه الذكرى تمثل ما كان راسخًا في سردية التاريخ المتفاعلة مع أحداث اللحظة، بالتحديد في العام 1983، عندما كنت شابًا يافعًا وفارسًا طموحًا لا يشق له غبار، هل يمكن القول: ما أشبه الليلة بالبارحة؟ وإن ما كنا نراه ليس ما كان يبدو؟
- كل شيء على ما يبدو ليس مثلما كان يبدو، هذا إن كان قصدك أن الأمور لا تبقى على حالها، أتفق معك، هذه هي طبيعة الأمور، وتلك هي الحياة، فما نراه لا يعدو كونه جسرًا يعكس ديناميكية التطور، ربما ليعبر بنا إلى الضفة الأخرى من المشهد، وربما ليقودنا إلى مفترق طرق لم تكن في الحسبان، إنما الأكيد أن هذه الحالة الديناميكية الوجودية هي جزء من حالة الاستدامة المتناغمة مع نمو المجتمع، مع تفرع الاحتياجات والمتطلبات، غرفة التجارة في تلك الفترة التي تشير إليها وعايشناها سويا، بالتحديد منذ العام 1983، حيث كنت في ذلك الوقت عضوًا بمجلس الإدارة ورئيسًا للجنة العلاقات العامة والإعلام، تختلف تمامًا عما نحن عليه اليوم، اختلاف كبير في كل شيء، الظروف تغيرت، المعطيات تغيرت، غرفة التجارة نفسها تغيرت، لقد كنا نعيش مرحلة متناغمة مع أهداف التأسيس، تلك التي تحرص على رعاية مصالح التجار ورفع قضاياهم إلى الجهات المسؤولة، تمامًا مثلما كانت تهدف إلى إبداء الرأي والمشورة، وهو ما يعني أن “الغرفة” لم تكن في يوم من الأيام مركزًا لصناعة القرار أو إصداره، أو تنفيذه، وهذه الطبيعة وذلك الدور لم يتغير حتى الآن.

العيب.. الآن!
لكنك تقول إن الظروف تغيرت، والمعطيات اختلفت، فلماذا لم يتغير دور “الغرفة” حتى الآن؟ هل هو عيب في الفكرة، أم في التنفيذ؟

- لا هذا ولا ذاك، ذلك أننا في فترة الثمانينات مثلاً، كان هناك نوع من الفراغ التشريعي، لم يكن لدينا مجلس للنواب يتولى مسؤولية التشريع، فكانت الغرفة تطالب بأن تقوم الحكومة بإصدار التشريعات المناسبة لعمل القطاع التجاري وتنشيط الوضع الاقتصادي، كان ذلك الفراغ التشريعي واضحًا بعد حل المجلس الوطني في العام 1975، وكانت الدولة تعتمد بل وتستند على الغرفة للحصول على رأيها وتستنير به، بل وتشاركها في اتخاذ القرار. وبالفعل، وخلال تلك الفترة، تم تأسيس لجنة مشتركة بين “الغرفة” ووزارة التجارة والزراعة في ذلك الوقت أو وزارة الصناعة والتجارة حاليًا، للتشاور المستمر، حيث كانت هناك لقاءات متواصلة ومشاورات مستمرة ومثمرة. ذلك الظرف جعل الغرفة في موقع يختلف تمامًا عما هي عليه الآن، بالتحديد بعد قيام المجلس الوطني بغرفتيه إبان إقرار ميثاق العمل الوطني والدستور الجديد بعد العام 2001، من هنا - والكلام للسيد الشعلة - تم وضع الغرفة في موقع يختلف تمامًا عما كانت عليه، لذلك يجب النظر إلى دور “الغرفة” في إطار التطورات التي حصلت، والتي لا تختلف كثيرًا عن تلك الأدوار المناطة بغرفة التجارة والصناعة على مستوى دول المنطقة بأسرها، حيث تغيرت الظروف واختلفت الأدوار، وتنوعت المهام، تمامًا مثلما توزعت وظائف تلك الغرف بين المهن، فهناك غرف صناعية ومجالس متخصص للألمنيوم والحديد، للمنتجات والصناعات المختلفة، والقطاعات والأنشطة الاقتصادية المتنوعة، من أجل الترويج أو التسويق لمنتجات أو صناعات أو مجالات بعينها. أما عندنا، فمازالت كل المهن التي تنتمي للقطاع الخاص منضوية تحت مظلة واحدة  اسمها “غرفة البحرين”.
كل هذه المعطيات تفرض على “الغرفة” بطبيعة الحال “التجديد” والتغيير والتفاعل مع الظروف، بل وأن تكون أكثر التصاقًا مع الأعضاء.

الدور الأساسي للغرفة
ماذا تعتقد أن يكون هذا الدور؟ ما هي ملامحه وأبعاده ووظائفه؟ هل استمرار الدور الاستشاري الملقب بـ “السلبي” في نظر الناس والتجار، وبعض شرائح القطاع الخاص؟ هل هو الدور الوسيط بين الحكومة والقطاع الخاص، أم كونه الممثل الشرعي والوحيد لهذا القطاع ينبغي أن يكون دوره أكثر فعالية وأكثر انحيازًا للتاجر، لا وسيطًا بين كل ما هو ضد، وكل ما يخص ذلك الكيان التجاري العريق؟

- طبعًا الدور الأساسي للغرفة سيبقى مثلما كان، أي ما كنا نراه سوف نواصل رؤيته مثلما كان يبدو، ومثلما يجب أن يكون عليه واقع الحال، الدور الأساسي للغرفة هو أن تبقى ممثلاً أساسيًا لمؤسسات القطاع الخاص ورجال الأعمال، ولكن المرحلة الحالية تتطلب مشاركة المجتمع عموما في القضايا المطروحة، وهذا أمر ما زال مستمرًا خصوصًا في عصر السرعة والتغيرات والتطورات الأمنية والسياسية التي تنعكس علينا بسرعة.
على الغرفة - الكلام مازال للسيد الشعلة - أن تبادر بطرح الاقتراحات والتصورات والمشروعات، في السابق خرجت بنوك ومشاريع وشركات مساهمة عامة، وفنادق ومصانع، من عباءة الغرفة وبدعم من الدولة، اليوم نحن بحاجة ربما أكبر من قبل، لا يجب أن نكتفي بمجرد اقتراحات لا تقدم ولا تؤخر، بل عليها - أي الغرفة - تحريك المشروعات، صحيح أن التمويل موجود، ومتوفر، ولكن الممولين يبحثون عن مشروعات استثمارية واضحة المعالم والمردود والجدوى.

دور استشاري أم ماذا؟!
إذن من حقنا أن نثير هذا السؤال يا صاحب السعادة، هل يبقى الدور الاستشاري فقط بمثابة الوظيفة الوحيدة لـ “الغرفة”، أم يجب أن تمتلك هذه الغرفة زمام إطلاق المبادرات الخلاقة المتناغمة مع احتياجات البلاد الاقتصادية؟

- هذا يحتاج إلى زخم، إلى دقة في المتابعة المستمرة، ومزاحمة المتاح والموجود، الإعلام مثلاً أصبح مختلف، دخلت عليه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ولدرجة أن هذه التقنية أصبحت تنافس الإعلامي والصحافي على القيام بمهنته الرئيسة في الكتابة وإتقان الابتكار وتوصيل المعلومات وتجويد مخرجاتها، صحيح أن التقنية الفارقة التي ترتبط بالـ “شات جي بي تي” قد تحفز على الغش والاستسهال، لكنها في الوقت نفسه قد تسرع من عملية الإبداع والوصول إلى المعلومات المطلوبة بأقصى سهولة وسرعة ويُسر إذا أحسنا استخدامها والتوافق معها، وبطبيعة الحال نحن لا نقبل أبدًا بالتقنيات المنقولة آليًا، وتلك التي تحفز على الغش، التقنية مثل السكين قد نستخدمها في تقطيع التفاحة لتسهل عملية أكلها، وقد تستخدم فيما يضر الإنسان. هنا ينبغي أن تكون لدينا التشريعات الرقابية اللازمة وتلك التي ترفع منسوب التوعية لدى الشباب خصوصا.

شجاعة الاعتراف بالخطأ
إذا كان الأمر كذلك، وإذا كان الحديث قد ذهب بنا لأمتار قليلة خارج هموم وشؤون وشجون “الغرفة” وذكرياتك معها، “الشات” يخطئ أحيانًا ويمتلك شجاعة الاعتراف بالخطأ، ماذا نفعل معه إذن؟ هل نواصل الاعتماد عليه أم نستشير خبراء في تصحيح خوارزمياته، وإصلاح تقنياته؟

- بكل تأكيد في إصحاح المعوج، في تصحيح مساره العلمي التكنولوجي، في إعادة تصويب مخرجاته وإحداثياته المعقدة، وجميعها مثلما تعرف من صنع الإنسان، وجميعها بكل تأكيد يمكن البناء عليها وتحقيق أكبر استفادة منها، خصوصا أن تقنية الـ “شات جي بي تي” أصبحت تعاني من صعوبات في منطقتنا، على أية حال علوم الـ “AI” مازالت في مراحلها الأولى، وما يزال والحمد لله هناك حاجة للعنصر البشري والذكاء الطبيعي، خصوصا أن عقل الإنسان هو الذي أتى بهذه التقنيات المعقدة، وهو الذي قامت على أكتافه صناعاتها المتطورة، واستخداماتها المتنوعة، الـ “AI” لم يهبط علينا من السماء لكننا “اللي سويناه”، وهو ما يؤكد أنه إنتاج بشري مئة في المئة، رغم دوره المؤثر في العلوم الطبية التي تطورت فيها هذه التقنية ولدرجة أنك يمكن أن تدخل عيادة طبية ولا تقابل إنسانا واحدا، كل شيء آلي، حتى الذي يكشف عليك ويكتب التقرير الطبي والوصفة الدوائية لك، وحتى الطبيب أصبح يعتمد بشكل شبه كامل على المعلومات التي يحصل عليها من الذكاء الاصطناعي وليس عن طريق دراساته وبحوثه وتجاربه فقط، واليوم يمكننا مشاهدة كل هذه التقنيات المتقدمة في الصين، عيادات متحركة، عيادات ميدانية، وعيادات لا يوجد بها طبيب واحد.
هذه التقنيات أصبحت أشد بأسًا من خوف التاجر البحريني من العمالة الأجنبية التي يشكون منها، ومن التاجر الأجنبي الذي أصبح ينافسه في عقر داره، عملاً بسياسة الانفتاح على العالم، وتلك المعتمدة على ما يسمى بالأسواق المفتوحة.

ما بين رؤيتين
هذه التكنولوجيا المتطورة، ألا يمكن أن تساعدنا على علاج مشكلاتنا الاقتصادية، هل يمكن استخدامها في القضاء على المديونيات الصعبة، وتراجع النمو الاقتصادي، والإسراع أكثر فأكثر في تنفيذ رؤية مملكة البحرين 2030 - 2050؟

- حتى اللحظة “ما شفت” مساهمة التجار أو القطاع الخاص في إنعاش هذه الرؤية، التي هي 2050 بالتحديد، لقد أدى التجار دورهم فيما يتعلق برؤية البحرين 2030 التي تقترب بخطى متسارعة نحوها، أما فيما يتعلق برؤية 2050 فلم تتقدم “الغرفة” حتى الآن بمشروع واضح للمساهمة مع الحكومة الموقرة في إذكاء روح هذه الرؤية الجديرة بالمتابعة والجديرة بالمراجعة، والجديرة بالمساهمة بفاعلية أكثر مما نشاهده الآن، لا ينبغي ولا يصح ولا يستقيم أن نضع كل أعبائنا التنموية على الحكومة، يجب أن يلعب القطاع الخاص دورًا مؤثرًا في المساهمة بفعالية أكثر مع مؤسسات الدولة في إذكاء روح تلك الرؤى، وأن تتحرك الغرفة بسرعة ورجال الأعمال كذلك في طرح رؤاهم المرتبطة برؤية المملكة 2050.

ليست بالوراثة!
ربما لأن بعض الأجيال الجديدة قد دخلت إلى قطاع الأعمال بالوراثة؟

- لا وراثة ولا شيء من هذا القبيل، المجتمع كله لابد أن يتحرك بنوع من الإحساس بالمسؤولية، بالوعي بالدور والوظيفة والمهمة الوطنية، الزمن ما عاد يرحم أحدا، ولن يعود أبدًا إلى الوراء، وإذا كان المثل الإنجليزي يقول: البقاء للأصلح، فإننا يجب أن نكون دائمًا الأصلح، هذا هو الحل وذلك هو المصير.


يتبع ..