الأديب الروسي تشيخوف يرسم لنا قلق الإنسان من فقدانه للمعنى، للحياة، ومن ضياع العمر وهو غريب على الخريطة الوجودية، ضائع بين أزقتها، لا يعرف من الحياة غير لبس الأقنعة، ووضع المكياج على وجه حقيقته، وحجم ألم أن يعيش حياة غير حياته.
فأقسى ما في الحياة أن تمنحك كل النعم ومعها صندوق ذهبي جميل بداخله قناع، فتكون أشبه بنِقم مغلفة بغلاف نِعم ذهبي.
هنا تشيخوف يرسم المعنى على لسان أحد أبطال روايته في حديث له مع امرأة اسمها صوفيا قائلا:
“أتعلمين، يا صوفيا، ما هو أكثر ما يُرعبني في هذه الحياة؟ ليس المرض، ولا الوحدة، ولا حتى الموت نفسه... بل فكرة أن يمرّ العمر كله دون أن أشعر للحظة واحدة أنني كنتُ حيا حقا. أن أستيقظ يوما وأجد أنني لم أضحك من القلب، لم أحب بجنون، لم أصرخ من الألم، لم أبكِ بحرقة... أن يكون كل ما عشته مجرد سلسلة من الأيام المتشابهة، حيث لا شيء يُدهش، ولا شيء يُوجِع، ولا شيء يَبعث الحياة في العروق. أليس ذلك هو الموت الحقيقي؟”.
يقول كاتب وهو يعلق على المشهد:
”السياق: يتحدث بطل القصة مع صوفيا عن خوفه العميق من حياة بلا معنى، بلا شغف، بلا لحظات حقيقية تُشعِره بأنه كان موجودا. تشيخوف هنا يطرح سؤالا وجوديا مؤلما عن معنى الحياة، ويضع القارئ أمام تأمل عميق في كيفية عيشها”.
وتلك هي مشكلة الإنسان؛ بدلا من مواجهة مخاوفه، وتفكيك ألمه، والسعي لإيقاف النزيف، يهرب من المواجهة، ويتحايل بصور مختلفة.
فالإنسان لا يواجه ألمه، بل يراوغه. الإنسان لا يهرب من الألم فقط، بل يؤجّله. يغيّر شكله، يعيد تسميته، يضعه في جيب جانبي، ويكمل العيش كأن شيئا لم ينكسر.
الانكسار لا يزول بالمراوغة، ولا بالانشغال ولا بالهروب. الألم ذكي، وبعض الآلام أذكى من حامليها ومكلوميها. الألم ذكي ولا يمكن أن تضحك عليه بلعبة أو تراوغ عليه بإنكاره، الأفضل الجلوس معه، والنقاش، وتفهم سبب الوجع حتى يقتنع ويتركك في حالك.
الأنثروبولوجيا تقول: الهروب أقدم من الشجاعة. قبل أن يخترع الإنسان المعنى، اخترع الحيلة. العالم يحتال على أوجاعه. السياسي السايكوباث يصنع الحروب هروبا من وجع فراغ نرجسيته المتضخمة.
العالم يُقاد من سايكوباثيي السياسة ونرجسيي الاقتصاد وحديي العلاقات ووسواسيي الدين، وكلها وسائل لحماية ذواتهم المتشظية بسبب الأمراض النفسية.
كيف يهرب الإنسان؟
1. الهروب إلى الطقس.. حين يتحول الألم إلى شعيرة
أقدم طرق التحايل: أن تُحوِّل وجعك إلى طقس. الطقوس مهمة لتخفيف وجع الإنسان ولكن بشرط أن يسعى لخياطة جرحه أولا ثم يأتي دور الطقس ليبلسمه. الدين مهم كصيدلية لتخفيف ألم الإنسان، ولكن على الجريح أولا أن يقوم بعملية جراحية لألمه ثم يأتي دور الدين كبلسم مكمل لشفاء الجرح وتخفيف الألم.
الطقس يمنحك وهم التفريغ: تشعر أنك فعلت شيئا، بينما لم تغيّر شيئا. الطقوس ذكية أيضا، لابد أن تحسن ممارستها بشكل صادق ومتوازن لتعطيك قوة؛ فهي تعطيك بعدا روحيا واطمئنانا شريطة ألا تحولها إلى جسر هروب من ألم واقع، وإلا قد تتحول إلى مخدر إذا زاد بشكل مبالغ فيه، وقد يتحول الألم إلى هوية على شكل طقس قد يخرجك من واقعية الحياة.
الطقوس تخفف الألم فقط في حالة لو تصالحت مع ألمك أولا واستعنت بها لتمنحك القوة لإزالة الأوجاع أو تخفيفها.
الأنثروبولوجيون يسمّونه إدارة الألم عبر الرمز. أما الحقيقة؟ الألم باقٍ.. لكن بملابس مقدسة.
حتى التاريخ قد يتحول لأداة هروب، أو اجترار للاستقواء على بعضنا كمسلمين سنة أو شيعة أو مسيحيين أو يهود، ويعد هذا صورة من صور الهروب. وقد يكون استدعاء التاريخ بسبب فشل حضاري نعيشه أو أزمة عدم قبولنا للآخر المختلف؛ فنحول التاريخ إلى مخزن نُهرّب منه القنابل الطائفية القابلة للتفجير.
2. الهروب إلى الهوية.. أنا لست أنا.. أنا نحن
هذا من “جماعتنا” وذاك من “جماعتهم”. عندما يبتعد الإنسان عن الانتماء الإنساني يلجأ إلى الاستقطاب الطائفي وخيمة الحزب في شرنقات تبعده عن أخيه الإنسان.
حين يعجز الإنسان عن حمل ألمه منفردا، يذوبه في جماعة ويقول: نحن هكذا، هذا قدرنا، هذا ما ورثناه. الهوية هنا ليست انتماء، بل مخدرا جماعيا؛ تمنحك دفء القطيع وتسلبك مسؤولية التغيير.
في التحليل الأنثروبولوجي كل هوية صلبة هي محاولة لتجميد الألم كي لا يسيل؛ فلا يمكن أن تبني حياة سعيدة وأنت ترى في الجماعة مكانا لإخفاء عيوبك وأوجاعك وأحزانك بدلا من حلها، هنا تتحول الجماعة إلى مكان اكتئاب جماعي لإخفاء اكتئاب فردي؛ تحويل الألم من فردي إلى عام.
3. الهروب إلى المقدس والعلاقة مع الدين علاقة هروب من الحل
بدلا من أن تسأل: لماذا أتألم؟ تقول: هكذا أراد، كتب علينا. وهذا فهم خاطئ لمفهوم السببية في الحياة؛ فالسماء تريد منك أن تسعى للتغيير أولا وبعدها يأتي اللطف الإلهي.
ليس هذا إيمانا، هذا هروب وجودي؛ تسلّم فهم المعنى لكي لا تفكّر. المقدّس - حين يُستعمل هكذا - لا يحررك، بل يحميك من مواجهة نفسك.
ولهذا تحب المجتمعات المقهورة التخدير أكثر من العدالة؛ لأن العدالة تتطلب مواجهة، والتخدير يمنح تبريرا. وهنا خطأ في تفسير فهم أن تسعى لتغيير واقعك وتعمل ليل نهار وفي الوقت نفسه تؤمن بأنه بعد العمل سيلطف الله بك لتكون بخير.
4. الهروب إلى البطولة الزائفة.. الألم كوسام
حين يفشل الإنسان في النجاة، يحوّل ألمه إلى هوية بطولية: أنا المتألم، أنا الضحية النبيلة، أنا الأكثر وجعا. الأنثروبولوجيا ترى هذا بوضوح؛ المعاناة تتحول إلى رأسمال رمزي؛ كلما تألمت أكثر، طالبت بحقوق رمزية أكبر.
لكن الألم الذي لا يُفهم يتحول إلى سجن، والبطولة التي لا تُشفى إدمان. وهذه إحدى آلام البشرية منذ خُلقت؛ محاولة الإنسان الاستثمار في وهم البطولة، ولو كانت كارثية وقاتلة، على أنها نجاح ونصر وربح ولو قادت إلى محرقة كبرى. وهم البطل ووهم البطولة التي تقود إلى فشل ذريع مغلف بأغلفة هروب مقدسة.
5. الهروب إلى الإنكار.. كأن شيئا لم يحدث
أخطر الحيل: أن تعيش وكأنك بخير؛ تعمل، تضحك، تنتج، وتترك الألم يتعفن في الداخل. الإنسان الحديث بارع في هذا. الأنثروبولوجيا تسميه “الوظيفية القاسية”: أن تكون نافعا.. وأنت منهار.
كم واحد منا يمتلك منظرا رائعا وبشكل جمال هوليوودي، وناجح على مستوى الأسرة والعمل والإنجاز والحياة، لكنه فاشل مع ذاته لأنه غير متصالح معها. الخارج باهر وداخله يتآكل بشكل مرعب، حيث الخارج ساحر والداخل في حالة انهيار. لهذا ركز الإمبراطور الروماني العظيم ماركوس أوريليوس في كتابه “التأملات” على أهمية الداخل لا الخارج.
6. الهروب إلى العدو.. الألم يحتاج متهما
بدلا من أن تواجه واقعك، تخترع عدوا؛ الآخر، السلطة، المرأة، الرجل، الغرب، الشرق؛ لأن الألم أسهل حين يكون له اسم.
التحليل الأنثروبولوجي واضح: المجتمعات التي لا تعالج جراحها تقدّس نظرية المؤامرة. والإنسان بارع في تمثيل دور الضحية أو عدم الاعتراف بخطئه؛ كل العالم متآمر عليه، كل الكرة الأرضية تريد هدم دينه، وعندما تسأله عن أخطائه فهو لا يرى شيئا، يرى نفسه ملكا وقديسا يُستسقى به الغمام.
الخلاصة: الهروب ليس كذبا.. بل خوف
الإنسان لا يكذب حين يهرب، هو فقط يرتجف. لكن المشكلة ليست في الهروب، بل في الإقامة فيه. الألم الذي لا يُرى لا يزول، والواقع الذي لا يُواجه يعود متوحشا.
النجاة - كما تقول الأنثروبولوجيا وكما تقول الحياة - لا تبدأ بالطقس، ولا بالهوية، ولا بالمقدس، بل بلحظة شجاعة واحدة؛ أن تقول: “هذا يؤلمني.. وهذا أنا.. وأنا مسؤول عن الخطوة التالية”.
كيف تستطيع الخروج من حالة الهروب المرعبة؟ ببناء غرف فندق السعادة الست:
غرفة الروح: ما هي علاقتك مع الله ومع القيم الكونية والإنسانية.
غرفة الحب: حيث الشريك الصح.
غرفة المال: حيث الوفرة المالية التي تقيك حاجة الناس.
غرفة الجسد: حيث الصحة النفسية والبدنية.
غرفة المجتمع: حيث العلاقات المجتمعية الصحية غير السامة.
غرفة الثقافة: حيث تمتلك ثقافة حضارية وسطية ترى من خلالها أن الإنسانية هي أكبر عامل مشترك مع أخيك الإنسان، وهي ذاتها التي من خلالها تبحث عن الجمال.
فالنفس الجميلة ترى الحياة جميلة والعكس بالعكس، كما قال الشاعر إيليا أبوماضي: والذي نفسُه بغير جمالٍ ... لا يرى في الوجودِ شيئا جميلا.