من يصنع الجنة وهو في قعر الجحيم
الإنسان الكامل
ليس قديسًا،
ولا نبيًّا،
ولا منتصرًا في سجلّ الحروب.
هو ذاك الذي لم يسمح للجحيم أن يعيد تشكيله على صورته.
أكثرنا خائفون من التغيير أو عالقون في أفخاخ جحيم التطرف الديني أو جهنم السياسة أو عفريت العلاقة السامة أو مصيدة وحش المال والطمع، أو قابعون في بئر التاريخ أو مسكونون بالسلطة أو مبتلعون بغول الشهرة لذلك تقل السعادة ويطغى غطاء سعادة تحتها فرن تعاسة يغلي بنار القلق والخوف والفوبيا من الوجود.
فمن الشخص السعيد والقوي
في الوقت ذاته؟
1. القويّ: صانع المعنى لا حامل السلاح.
ليس القوي من يصنع الحروب وليس ذاك الذي لأجل نرجسيته يزيد من نسبة الشر؛ بل هو من يصنع معنى لحياته ومعنى كبيرا للحضارة وللبشرية.
القوة - كما فهمها نيتشه -
ليست في كسر الآخرين،
بل في تحمّل الوجود دون أن نلعنه.
الحياة قاسية وعبثية وتحمل في يدها اليمنى بندقية وفي اليسرى وردة وهي تلقي الرصاص القدري على جمع أطفالها على الكرة الأرضية وتوزع أحيانا وردا، ولأنها كذلك يحب أن نعيشها مراهنين ليس على وردها وإنما على الحديقة التي قطفت منها وردها وهي تحمل البندقية.
الإنسان الكامل رأى العبث عاريًا،
رأى الدم يُبرَّر،
والقتل يُنظَّر له،
والغباء يُلبس ثوب البطولة،
ثم قال، كما قال فرانكل في قلب معسكر الموت:
“يمكنهم أخذ كل شيء
إلا قدرتي على اختيار موقفي”.
فصنع معنى،
لا ليبرّر الألم،
بل ليمنع الألم من ابتلاعه.
سؤال مهم وأنت تشهد العالم ينزلق نحو الجنون والغباء السياسي، وفوضى الجشع البشري في ابتلاع جغرافيا والتوحم على جزر وابتلاع مليارات على حساب الناس، هل أنت قابل أن تكون مشغولا بكل هذا السفه المكثف وهذا العبث الوجودي على الشاشات أم رغم كل ذلك تكن مستعدا بالتلهي بجمال الحياة ومعانيها السامية؟
ومن صفات السعيد القوي:
2. من تجاوز فوضى البشرية دون أن يحتقرها
رأى الإنسان في أسوأ نسخه:
- حين تحوّلت القومية إلى فم مفترس
- والدين إلى ذريعة
- والفلسفة إلى سكين باردة
- والعلم إلى أداة إبادة
لكنه - كما علّمنا الفيلسوف سبينوزا -
لم يكره،
بل فهم.
“عدم الفهم يولّد الغضب،
والفهم يحرّر”.
الإنسان الكامل لم يُقدّس البشر،
ولم يلعنهم.
تجاوزهم..
لأنه أدرك أن كثيرًا من الوحشية
هي هلع بلا وعي.
وهذه مفارقة مهمة في أن تفهم حتى كراهية من يكرهك أنها ناتج غباء أو نقص فهم أو شح معلومات، كما يقول الإمام علي ع: “المرء عدو ما يجهل”.
العالم به تكدس جشعين وتراكم خاضعين وأغلب العالم بين حمقى ومرضى نفسيين، لكن كثيرا من انتشار الحقد والجهل والعرقية والعنصرية والطائفية ناتج جشع مالي يقوده عقل جاهل.
3. العابر فوق الألغام
هذا الإنسان لا يسير مستقيمًا،
لأن الطرق المستقيمة غالبًا ما تكون مفخخة.
يقفز..
بخفّة من يعرف كلفة الخطأ.
يقفز فوق:
- ألغام الطمع
- شِباك النفوذ
- نظريات تَعِد بالخلاص وتنتج المقابر
- أوهام البطولة التي تنتهي بنشرات الأخبار
كما قال ألبير كامو:
“أرفض أن أكون جلادًا،
وأرفض أن أكون ضحية”.
فكان العبور خياره،
لا الاصطفاف.
ومن صفات السعيد القوي:
4. من رأى الحياة فرصة لا ساحة إعدام
الإنسان الكامل لا يتعامل مع الحياة كحرب إثبات،
ولا كمحكمة،
ولا كمأساة شخصية.
يراها - بهدوء بوذي -
فرصة ذهبية قصيرة
لأن يعرف:
- كيف يحيا دون أن يفسد
- وكيف يحافظ على قلبه دون أن يُغلَق
- وكيف ينجو دون أن يدوس غيره
الحياة عنده ليست حقًا مطلقًا،
بل أمانة مؤقتة.
5. الحكيم الذي ينسحب بلا ضجيج
تعلّم من ماركوس أوريليوس مؤسس المدرسة الرواقية في صناعة النفس قبال مصانع الفوضى:
“ليس كل ما يستحق ردّك
يستحق طاقتك”.
فلا يدخل كل صراع،
ولا يشرح نفسه للضوضاء،
ولا يقدّم قلبه وقودًا للجدالات العقيمة.
ينسحب حين يجب،
لا هربًا،
بل حفاظًا على جوهره.
هذا الانسحاب
أحد أرقى أشكال الشجاعة.
وفرق بين الانسحاب والهروب فقد تكون أنت وسط حروب متصارعة لكنك منسحب، أن لا تكون وقودا فيها لأجل سيكوباتيين (اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع) جشعين حمقى لا يفقهون من الحياة إلا لغة الموت وقتل السلام.
العظيم من يرى فوضى العالم وتوافه “السوشيال ميديا” وحروبا عبثية وصراعات على شحمة عبثية، ولا يكون منها ولا تشكل عقله أو فكره أو حياته.
6. الرافض لحيونة الحروب
يرى الحروب كما هي:
- مشاريع فشل أخلاقي
- تُدار بغرائز القطيع
- وتُغلف بخطب رنّانة
يعرف - كما عرف تولستوي -
أن الحرب لا تصنع أبطالًا،
بل تستهلك البشر.
فيرفض:
- أن يقتل باسم فكرة
- أو يموت باسم زعيم
- أو يكره باسم هوية
لأنه أدرك أن الإنسان
حين يفقد وعيه
يستدعي الحيوان الكامن فيه.
7. صانع الجنة الداخلية
لم ينتظر عدلًا شاملًا،
ولا نهاية سعيدة.
صنع جنته بنفسه:
- في نوم هادئ
- في ضمير غير مثقل
- في علاقة لا تبتزه
- في صمت لا يجلده
- وفي عمل لا يخونه
هذه الجنة
لا يراها أحد،
ولا تُقصف،
ولا تُنهب.
8. راحة البال.. أعلى مراتب القوة
الإنسان الكامل
لا يريد أن يخلّده التاريخ،
ولا أن تهتف له الجموع ولو على أنقاض بشرية وتفكك خرائط وانتشار فقر عالمي وانهيار عالم أخلاقي وتدمر حضارة عملاقة تمخضت من تراكم حضارات ودماء وعظام وتوابيت ودول حتى وصلت لكل هذا الجمال.
أقصى طموحه - كما قال الحكماء -
أن يضع رأسه على الوسادة
وقلبه غير مثقل بالكراهية.
راحة البال عنده
ليست ضعفًا،
بل نهاية طريق طويل من الشجاعة.
الإنسان الكامل
هو من فهم الحقيقة القاسية:
العالم لن يُشفى قريبًا،
لكن الإنسان يستطيع
ألا يتحوّل إلى مرضه.
وحين يفعل،
يعيش الجنة
وهو واقف
في قعر الجحيم.