العدد 6323
الخميس 05 فبراير 2026
أحمد عبيدات.. بوصلة الكرامة وفارس الضفتين
الخميس 05 فبراير 2026

من مملكه البحرين ، حيث يمتد الوفاء جسراً يتجاوز المسافات، أكتبُ بمداد من حزن ملؤه الإكبار لقامةٍ سامقة غادرت دنيانا، لكنها ظلّت محفورة في وجدان الأحرار. 

رحل "أبو ثامر"، دولة الأستاذ أحمد عبيدات، تاركاً خلفه إرثاً من الهيبة والوقار، وصدى يتردد اليوم في الأردن والبحرين، وفي قلب كل من آمن بأن المناصب تزول والمواقف وحدها هي التي تبقى.

لم تكن علاقتي بالأردن مجرد محطة عابرة؛ بل كانت تجربة وجدانية عميقة تشكلت ملامحها في أروقة "الجامعة الأردنية" إبان التسعينيات، حيث تشرّبتُ المعنى الحقيقي للعروبة على أيدي كبار علمائها. وكان شغفي بالثقافة يدفعني دائماً نحو "منتدى عبد الحميد شومان" و"غاليري الفينيق"، حيث كان الفكر يصقل العقول ويبني الرؤى. وفي تلك الميادين، عرفتُ أحمد عبيدات، ذلك النموذج المتجسد للرجل الجسور، ورجل الدولة الذي لم يحد عن الاستقامة يوماً.

إن رحيل "أبو ثامر" يمثل غياباً لنموذج "رجل الدولة المعارض" بامتياز، ذاك الذي قدّم تعريفاً فريداً للسياسة حين آمن بأن "ليس هناك ولاء دائم أو معارضة دائمة"، بل مواقف تمليها مصلحة الدولة العليا. لقد كان عبيدات ابناً باراً لـ "الضفتين"؛ فمن مياه إربد وسهول حوران إلى جبال الكرك و الشوبك، وصولاً إلى نابلس و الخليل، نبتت جذوره وتشكلت شخصيته الوحدوية التي حملت همّ الأمة.

وتتجلى عظمة عبيدات التاريخية في موقفه الصلب ضد معاهدة "وادي عربة"، حيث انحاز بوضوح للضمير الشعبي، متصدراً صفوف الاحتجاجات وهو "رئيس وزراء أسبق" يدرك تماماً كلفة الموقف. 

لقد اختلف مع الراحل الملك الحسين - طيب الله ثراه - اختلاف الفرسان الأوفياء، وظل باحثاً عن الحقيقة، مما جعل الملك يستدعيه في الأزمات، يقيناً منه بأن عبيدات هو عقل الميثاق الوطني وقادرٌ على لمّ الشمل.

اليوم، وإذ يحتضن تراب "حرثا" جثمانه الطاهر، تستقبله الأرض التي أحبها بقلبٍ مفتوح. 

نحن الذين نهلنا من معين الثقافة الأردنية ندرك حجم الخساره، فقد كان عبيدات عنواناً للأمانة في أسمى صورها. 

إن وفائي لهذا الرجل هو جزء من وفائي للمملكة الأردنية الهاشمية، التي لها فضل كبير علي، والتي علّمنا كبارها أن القوة الحقيقية تكمن في قول الحق.

وداعاً أبا ثامر.. يا من أضفيت على المناصب وقاراً، وتركت للأجيال درساً في النزاهة. سيبقى أثرك الطيب راسخاً في الأرض، وستظل مواقفك الجسورة منارةً لكل من ينشد وجه الوطن الحقيقي.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .