خلال الأسبوع الماضي، أثار الروائي والكاتب السعودي القدير عبدالله بن بخيت نقاشًا حول ما سماه “السلام الإبراهيمي”، عندما قارن بين الاتفاقيات التي وقعتها مصر والأردن مع إسرائيل في 1979 و1994، ومعاهدة الإمارات والبحرين الجديدة. في مقاله المنشور على صفحات الزميلة “عكاظ” الثلاثاء الماضي، تحدث أستاذي بن بخيت حول سردية تضع السياسة في مقاربة دينية غير واقعية، عندما قال إن اتفاقيات مصر والأردن جاءت وفق مقتضيات “الضرورة”، بينما وصف معاهدة إبراهيم بأنها “سلام ديني تاريخي يفترض أن يحذف أحد الطرفين شيئًا من دينه وتاريخه ليتفق مع الآخر”، على حد تعبيره. وتفنيدًا لهذه الرواية، فإن الكاتب وقع في خلط جوهري - غير مفهوم من شخص ذي عقلية ليبرالية يرفض الوصاية الآيديولوجية - بين الدين بوصفه عقيدة للأفراد، والسياسة على اعتبار أنها إدارة مصالح للدول، وهو خلط لطالما أرهق العقل العربي وأعاق قدرته على قراءة التحولات الدولية بواقعية. إن الواقع الجيوسياسي وتحديات المنطقة في القرن الحادي والعشرين تفرض علينا تجاوز تلك القراءة، والنظر إلى معاهدة إبراهيم بوصفها خيارًا استراتيجيًا يعمل على تغليب مصلحة الإنسان في الاستقرار والتنمية، ولا يمكن لها بأي حال من الأحوال أن تربط بين “اللاهوت” و”الدولة”. والأهم من ذلك، فإنه لا يوجد شيء اسمه “السلام الإبراهيمي” في الأدبيات الدبلوماسية، ولا حتى في أي من القراءات القانونية الدولية؛ فعندما نطلق على اتفاقيتي مصر والأردن سلامًا فإنهما أُبرمتا بعد حروب مع إسرائيل، بعكس “معاهدة إبراهيم” في تسميتها الرسمية، التي تأتي لتعزز مفاهيم السلام والتعايش على اعتبار أن دولها لم تحارب إسرائيل أصلًا.
ولم تتضمن المعاهدة - وهي منشورة في موقع وزارة الخارجية الأميركية ويمكن لأي شخص قراءتها - أي نص يمس الدين أو يفرض تغييرًا في المناهج التعليمية، أو يُلزم الدول الموقعة بالاعتراف بأية سردية دينية تاريخية لا من قريب ولا بعيد.
كما أن الدول العربية المنضمة لمعاهدة إبراهيم، لم توقع هذه الاتفاقية بوصفها أممًا دينية، بل كيانات سياسية تعمل داخل نظام دولي علماني تحكمه المصالح المشتركة والقانون الدولي لا النصوص المقدسة.
أما استخدام توصيف “إبراهيمي”، فدائمًا يحمل أكثر مما يحتمل، إما بجهل أو بسوء نية؛ فالمصطلح هنا رمزي جامع يُستخدم للبناء على المشتركات بهدف تخفيف حدة الصراع ونزع قدسيته الدينية، وليس لإعادة صياغة الأديان ذاتها، وهو إطار لغوي سياسي شبيه بتسميات كثيرة في العلاقات الدولية، دون أن يكون مشروعًا لإدخال العهد الإبراهيمي التوراتي إلى الوعي الإسلامي كما يُصوَّر.
كذلك، يستشهد المقال بتجربة أذربيجان باعتبارها نموذجًا على ما وصفه بـ “السلام الإبراهيمي”، وهنا يبرز خلط أساسي مفاده أن باكو ليست طرفًا في معاهدة إبراهيم أصلًا، إذ إن علاقتها مع إسرائيل مباشرة وثنائية منذ العام 1992، وهي علاقات قائمة على المصالح الاستراتيجية والاقتصادية والعسكرية، دون أي غطاء ديني أو توصيات ثقافية.
ومع ذلك، لم تفقد أذربيجان هويتها الإسلامية، ولم تغيّر سرديتها التاريخية، بل تحولت إلى دولة صاعدة ومزدهرة، وعرفت كيف توظف علاقاتها الخارجية لخدمة مشروعها الوطني.
وفي سياق متصل، يذكر الكاتب مقولة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق آرييل شارون حول “حق الوجود” المرتبط بالقوة، ويخلص إلى أن إسرائيل لا تملك “حق الضعف”؛ ومن هنا جاءت أهمية هذه العلاقات الجديدة؛ لأنها المسار الوحيد الذي يحول إسرائيل من وجود “قائم على قوة السلاح” فقط، إلى وجود “قائم على القبول الإقليمي”، وهذا التحول هو مصلحة للعرب بالدرجة الأولى؛ فبدلًا من استمرار سباق التسلح الذي يلتهم مليارات الدولارات من أموال الشعوب العربية، تفتح هذه المعاهدة الباب لإمكانية تحويل المنطقة إلى كتلة اقتصادية منافسة عالميًا، لاسيما أن إسرائيل دولة متفوقة في البحث العلمي والابتكار.
أما ربط معاهدة إبراهيم بتصفية القضية الفلسطينية، فهو رأي يأتي من منظور قاصر؛ فهذه القضية التي استهلكت العرب منذ ما يقرب من ثمانية عقود، لم تتقدم خطوة واحدة بالشعارات والحروب، بينما المسار السياسي هو الأكثر فعالية، وهو الطريق الوحيد الذي جعل الإمارات أكبر مساهم للمساعدات الإنسانية للأشقاء الغزيين في محنتهم، وهو الذي أيضًا جمد الاستيطان في الضفة الغربية قبل أن يعود بعد العنف الذي ارتكبه يحيى السنوار في جنوب إسرائيل يوم السابع من أكتوبر.
إن معاهدة إبراهيم المبرمة في حديقة البيت الأبيض خلال صيف العام 2020 ليست “مصيدة دينية وثقافية” للعرب كما يصور ذلك المقال، بل هي وسيلة دبلوماسية لبناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة بعيدًا عن الكراهية؛ فنحن سنعلم أطفالنا أن أجدادهم امتلكوا الشجاعة الكافية في محاولة لوضع حد للصراعات الدامية ليمنحوهم حياة أفضل، على اعتبار أن عملية السلام لا تطلب منك أن تصبح “آخر”، بل تطلب أن تقبل العيش “مع الآخر” في ود وأمان.
سنقول للأجيال الجديدة إن التاريخ له سياقه الذي يختلف من زمن لآخر، وإن إدارة الدول اليوم تقوم على أدوات مختلفة، بما في ذلك الحكمة السياسية بعيدًا عن الارتهان لصراعات مفتوحة بلا حلول عملية تلوح في الأفق لإنهائها.
خلاصة القول، إن الإشكالية لا تكمن في الجدل حول معاهدة إبراهيم نفسها أو تسميتها، أو حتى إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، بل في إصرار بعض النخب العربية على قراءة السياسة الدولية الصرفة بعين الوعظ الديني، لا بعقل الدولة المدنية الحديثة.
كاتب بحريني