كثير من الأحداث السياسية التي تمر على منطقة الشرق الأوسط تحتاج لعقود من الزمن حتى نتمكن من فهمها وإدراك تبعاتها. فلم يكن العام 1979 عاديًّا في المنطقة بعد سلسلة أحداث لا نزال نعيش تبعاتها حتى اليوم، بدءًا بسقوط الشاه بهلوي وصعود رجال الدين للحكم في إيران، إلى وصول صدام حسين للسلطة في العراق، وحادثة جهيمان العتيبي في الحرم المكي التي كانت محفزًا لصعود الصحوة بالسعودية.
نحن اليوم لا نزال نستوعب ونفهم كيف لتلك الأحداث التي جرت قبل 47 عامًا أن تسهم في تغيير شكل المنطقة وحياتنا بصورة جذرية. اليوم يتكرر المشهد في الشرق الأوسط، إذ لا نعيش أحداثًا عابرة سيدونها التاريخ وتنتهي؛ بل ما يجري الآن هو تحولات جيوسياسية عميقة لن تتضح نتائجها إلا بعد عقود. وتبرز في هذا السياق، التصريحات الإسرائيلية المتكررة عن “إعادة تشكيل الشرق الأوسط”، ما يعكس أنها ليست مجرد خطاب سياسي للاستهلاك الداخلي، بل تشير إلى مدى تغيير العقيدة الإسرائيلية بعد هجمات السابع من أكتوبر 2023.
في سوريا، تبدو الدولة منهكة بعد سنوات من الحرب المدمرة، ومع تعدد اللاعبين الإقليميين والدوليين على أرضها، يظل سيناريو التقسيم أو التفكك محتملًا رغم محاولات النظام الجديد توحيد البلاد الممزقة. أما السودان، فهو مثال صارخ لدولة تمزقها الحرب والصراعات على السلطة؛ فهذه الحرب الأهلية المأساوية تهدد ما تبقى من وحدة السودان وتفتح الباب أمام سيناريوهات تشاؤمية بتفكك مؤسسات الدولة وربما ظهور بؤر جديدة للإرهاب.
وفي اليمن الذي أضحى تعيسًا بعد عقد من الحرب الأهلية الطاحنة، يعود شبح التقسيم بقوة عقب تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي وتراجع فكرة الدولة المركزية، ما يعيد الذاكرة إلى يمن ما قبل عام 1990.
لبنان بدوره الذي كان يعرف يومًا ما بـ “سويسرا الشرق”، اقتصاده متعب، وهناك سلاح بيد مليشيا خارج إطار الدولة وهي التي تحدد قرار السلم والحرب.
ولا يمكن قراءة مشهد إعادة تشكل الشرق الأوسط دون التوقف عند العراق، الدولة التي دفعت أثمانًا باهظة على مدى عقود. لكن بغداد منذ سقوط صدام حسين في العام 2003، مازالت عالقة في منطقة رمادية يتقاطع فيها النفوذ الإقليمي والدولي، في وقت تحاول فيه الدولة نزع سلاح المليشيات الموالية لطهران.
أما إيران، فرغم صلابة النظام الإسلامي، إلا أن التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والضغوط الدولية تطرح سؤالًا مؤجلًا: هل نحن أمام مرحلة انتقالية قد تُفضي إلى نظام جديد؟ ربما ليس بالضرورة اليوم، لكن التاريخ يعلمنا أن التحولات الكبرى تبدأ غالبًا من تصدعات غير مرئية تكبر تدريجيًّا.
في القرن الأفريقي غير البعيد، يمكن قراءة اعتراف إسرائيل بـ “أرض الصومال” بالخطوة الاستراتيجية لها، والتي يمكن أن تغير شكل منطقة شديدة الحساسية. فإسرائيل، التي لطالما أدارت علاقاتها الخارجية بمنطق المصالح لا العواطف، ترى في أرض الصومال كيانًا مستقرًّا نسبيًا في منطقة مضطربة، وموقعًا استراتيجيًّا مطلًا على خليج عدن وباب المندب، حيث تتقاطع التجارة العالمية والأمن البحري، فضلًا عن كون المنطقة تمنح إسرائيل فرصة ثمينة لمراقبة جماعة الحوثي في اليمن وربما شن حرب للقضاء على تهديدها المستمر منذ عامين.
بعد عشر سنوات أو ربما أكثر، سننظر إلى هذه اللحظة وندرك أنها لم تكن مجرد أزمات متزامنة، بل نقطة انعطاف تاريخية نحو شرق أوسط جديد ومختلف. ويبقى السؤال: من سيبقى ومن سيُعاد تعريفه؟!.
كاتب بحريني