العدد 6278
الإثنين 22 ديسمبر 2025
أية رسالة نبعثها للعالم؟!
الإثنين 22 ديسمبر 2025

بعد ظهور تفاصيل جديدة عن هجوم شاطئ بونداي في سيدني، والذي أوقع 16 قتيلًا بدوافع آيديولوجية متطرفة، نتساءل بصدق: أين أصوات الإدانة من رجال الدين المسلمين من مختلف طوائفهم؟! ما حدث في أستراليا خلال الأسبوع الماضي، هو هجوم إرهابي مكتمل الأركان لا لبس فيه، استهدف مدنيين أبرياء من أتباع الديانة اليهودية عندما كانوا يحتفلون بعيد الأنوار (الحانوكا) دون أن يتسببوا في إيذاء أحد، فكيف يمر هذا الحادث دون مواقف إدانة صريحة وقوية من قبل رجال الدين المسلمين، حتى أولئك الذين يتبنون نهجًا معتدلًا؟
إن القواعد الأخلاقية والمشتركات الإنسانية تفرض الإدانة الصريحة لهذا العمل البربري غير الإنساني؛ فالإسلام في نصوصه وروحه يرفض رفضًا قاطعًا إزهاق أرواح الأبرياء أيًا كانت ديانتهم أو معتقداتهم أو خلفياتهم. ولذلك، فإن غياب المواقف العلنية الرافضة لمثل هذه الهجمات لا يخدم الإسلام ولا حتى شعوب العالم الإسلامي، بل يتجاوز ذلك ليترك فراغًا يمكن أن يفسر بتأويلات خطيرة، ما يمنح الخطاب المتطرف فرصة مواتية ليمثل نفسه كصوت للإسلام ويفاقم من ظاهرة “الإسلاموفوبيا” لدى المجتمعات غير المسلمة، لاسيما أن هجوم سيدني ظهرت عليه بصمات لتنظيم داعش الإرهابي.
إن الصمت في مثل هذه اللحظات يُفسر ويُقرأ وكأنه عجز واضح، حتى وإن لم يكن كذلك في النوايا؛ فأية رسالة نريد أن نبعثها للعالم من خلال المواربة في مثل هذه القضايا الحساسة؟! وما يزيد المشهد قتامة هو ردود الفعل التي أعقبت مقطع الفيديو الذي أظهر شجاعة رجل مسلم يدعى أحمد الأحمد عندما اندفع نحو أحد المهاجمين وسحب سلاحه منقذًا أرواحا بريئة؛ إذ كشفت بعض التعليقات الصادرة من عرب ومسلمين على منصات التواصل الاجتماعي عن خلل أخلاقي عميق بعد تعرض الرجل سوري الأصل لهجوم لفظي وتحريض بغيض لمجرد أن الناس الذين أنقذهم هم من اليهود.

هذا الفكر الخطير الذي يشجع القتل على الهوية يؤكد الحاجة لخطاب ديني حازم ضد الكراهية، ويشدد على الأخلاقيات المتمثلة في أن حماية الحياة واجب إنساني لا يخضع للدين أو العرق ولا حتى الموقف السياسي.
نحن بحاجة إلى الاعتراف بالحقيقة المتمثلة في أن التطرف الذي يمارس العنف باسم الإسلام هو نتاج خطاب ديني مشوه تبنته غالبًا جماعات الإسلام السياسي، وروجت له على مدى عقود، مستخدمة الدين كأداة تعبئة للسيطرة على عقول الناس.
ومن هنا، تأتي الحاجة لتعزيز ثقافة التسامح والانفتاح على الآخر، وإلى خطاب ديني يمد جسور التواصل بين مختلف الشعوب والأديان؛ لأن إنسانيتنا الواحدة تفرض ذلك، فهي القاسم المشترك الذي يجمع شعوب العالم.
إن الإدانة الصريحة لهذه الأعمال الإرهابية - كما فعلت دول الاعتدال العربي - تمثل خطوة أولى نحو استعادة المعنى الحقيقي للدين الإسلامي وبناء مجتمعات أكثر وعيًا بأخلاق دينها، وتعرف معنى التعايش وتسمو بالإنسان قبل أي شيء.

كاتب بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .