العدد 6271
الإثنين 15 ديسمبر 2025
لعنة الوعي!
الإثنين 15 ديسمبر 2025

لطالما تساءلت في نفسي عن المكان المناسب الذي يليق بفكر وروح الإنسان الذي وصل لمستوى عالٍ من الوعي.
وتشير الأبحاث إلى أن 15 بالمئة من الناس لديهم وعي ذاتي كافٍ، وفقًا لورقة بحثية نشرتها كلية “هارفارد” للأعمال، وهذا يعني أن الوعي الحقيقي بالذات أمر نادر لدى البشر حتى لو اعتقد كثيرون عكس ذلك. الأمر المؤكد أن الوعي ليس دائمًا ميزة، بل في لحظة ما قد يشكل عبئًا ثقيلًا على صاحبه، لاسيما إذا وجد الإنسان نفسه في بيئة لا تشبهه. 
بالنسبة لصاحب الوعي الذي يملك القدرة على فهم ذاته أولًا ومن ثم فهم العالم من حوله، فإن أكثر ما يرهقه هو اضطراره الدائم إلى شرح نفسه للآخرين ومحاولة تبسيط أفكاره ورؤاه لأشخاص قد لا يستطيعون أن يفهموه أساسًا. إن الإنسان الواعي الذي يعيش في محيط لا يحترم عقله ولا يفهم تفكيره، يظهر وكأنه شخص مختلف جاء من كوكب آخر، ما يجعل نعمته الفكرية تتحول إلى ما يشبه اللعنة؛ لأنه يرى ويفهم أكثر مما يرى ويفهم الآخرون ويدرك ما يعجز كثيرون عن بلوغه. وبالتالي، فإن الوعي المفرط يجعل من صاحبه يشعر بالعزلة والغربة وربما يصل إلى درجة الاكتئاب، حتى لو تزاحمت الناس من حوله؛ لذا لا يمكن للروح أن تزدهر إلا عندما تلتقي بأرواح وعقول تشبهها وتفهمها دون الاضطرار للشرح أو التبرير.
ولعل الإشكالية الكبرى التي يتعرض لها الإنسان الواعي اضطراره للعيش وسط جهل لا يمكن تغييره، وربما يفقد أصلًا الرغبة في تغييره، فيكتفي بالصمت ويمضي في حياته نحو ما يمكن أن نطلق عليه “تنزيه النفس”.


ومع ذلك، فإن الوعي حتى لو كان مفرطًا، هو الطريق الوحيد نحو ذاتٍ حقيقية غير مصطنعة؛ فالإنسان المتسق مع ذاته يكون مرتاحًا، على اعتبار أنه يعيش كما هو وليس كما يريده المجتمع.

كاتب بحريني 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .