العدد 6283
السبت 27 ديسمبر 2025
المحرق قصّة لها تتمّة
السبت 27 ديسمبر 2025

العودة إلى المحرق هي عودة إلى الأصل.. العودة بالزمن، العودة إلى الذكريات، والشخصيات النابضة في العقول، والعادات والتقاليد والممارسات الحية التي لا تموت. فعندما تندمج الثقافة الراسخة في جذورنا بالسياحة الوطنية يحدث النجاح الذي يتفوّق على جميع المباني الشامخة والمجمعات الفاخرة وهبّات المطاعم والمقاهي الساحرة، ودور السينما الفاتنة، وغيرها من المباهج.. لأننا، عندما نعود إلى المحرق، نعود إلى ماضينا الذي نفتخر به، نمشي نتفقد بيوتنا القديمة وسير أجدادنا وجيراننا والفرجان التي ترعرعنا فيها، وسمعنا حكايات الأهل عنها، باختصار نعود لـ “أوّلنا”، وكما يُقال “إلّى ماله أول ماله تالي”.

ونجاح فعاليات “ليالي المحرق” في نسخته الجديدة لعام 2025 وللسنة الرابعة على التوالي مصدر فخر واعتزاز لكل بحريني في هذا الوطن؛ فكم هو مفرح تهافت أبنائنا الشباب قبل الكبار وحرصهم على العودة إلى الأصل وزيارة فرجاننا القديمة وهم متمسكّون بالزي التقليدي البحريني.. كم هو جميل حرصهم على استنشاق عبق تاريخنا والاستمتاع بجمال الفن البحريني الأصيل، وروعة العمران البحريني القديم، والارتواء من هوى المحرق الكامن في قلوبنا. من كان يُصدّق أنّ أزقّة المحرق بكل تفاصيلها ستتحوّل يوما ما إلى وجهة سياحية تستقطب كل الأعمار وكبار المسؤولين والوجهاء والدبلوماسيين والفنانين من البحرين والخليج العربي وباقي الدول الشقيقة والصديقة، بل وتستقطب مشاركين وعارضين من دول مجلس التعاون في بعض الأركان.

لنْ يمحي من ذاكرتي الشارع ذو الاتجاه الواحد الممتدّ من مسجد “أبو منارتين”؛ فبيتنا، بيت الجدّ ومرتع الصبا، يقع قربه.. هذا الشارع الضيق أصبح مع ليالي المحرق ممرًّا يزهو بالزائرين والسائحين من أهل المدن والقرى البحرينية المختلفة وهم في أبهى زينتهم، بل أصبح شارعا مهمًا حمل في أروقته الضيقة أسماء أكبر المقاهي والمطاعم وأكثرها شهرة. 

الفارق بين ليالي المحرق وغيرها من الفعاليات أنّ هذه الليالي تستند إلى تاريخ نابض في القلوب: بيوت لا تزال حيّة بسير أهلها القدماء، وثقافة أصيلة وإرث يروي ظمأ المواطنين.. حقًّا ليالي المحرق لمسة إبداع أضفت سحرًا عجيبًا على ما يراه البعض حجرًا أو جمادًا فتحوّلت المحرق إلى حالة ثقافية ووجهة سياحية تتفاخر بها بين مدن البحرين كلها. 

في الوقت الذي تواجه فيه كلّ فكرة واردة علينا بقوالب مستوردة جاهزة تحدّيا في النجاح وصعوبات في الاستمرار، يتواصل نجاح “ليالي المحرق” لأنها فكرة أصيلة تحمل طابعا “بحرينيا” أصيلا.. وفي انتظار دورات قادمة من هذه الليالي نأمل أن تُستَكمل مسيرة توثيق البيوت، وسيرة رجالات المحرق ونسائها الذين كان لهم دور كبير في وضع اللبنات الأولى لهذا الوطن الغالي؛ فالمحرق قصّة لها تتمّة، وأكبر بكثير ممّا انقضى من الليالي. 

*كاتبة بحرينية وباحثة قانونية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .