ويبحر الانسان رغم الموج بحثا عن الخلاص، وعن نهاية عن قهر الواقع وبندقية القدر وشباك صيد الأزمات ؛هذا عدا عن قنابل الصدمات المتفجرة في طريقه للفرح أو ليّ عنقه من خيانة أو انكسار جدار قلبه من إنسان ظنه علاقة حبيب فكان فخ رقيب. هناك من العظماء من رأى الحياة عبثية على شكل مقبرة جيء إليها بجثة إنسان في “لعنة ولادة “ كما هو رأي الفيلسوف الروماني إميل سيوروان حيث
يرى الحياة ليست عبثية
العبث يبدأ عندما نُلقى فيها.
فلماذا نولد أصلاً مادمنا هناك رزمة من الأوجاع وشاحنات قدرية محملة بصناديق الأحزان، ومادام هناك أمام كل فرحة غصة وأمام كل لقاء فراق وعند بداية كل اشتعال حب نهاية احتراق فراق؟
سيوران يرى أن الولادة هي الجريمة الأولى،
وأن ما نسميه “وجودًا” هو سلسلة من التأقلمات مع صدفةٍ لم نطلبها.
لذلك، حين يصف الحياة بالعبث، فهو يقصد:
- أننا جئنا دون اختيار
- ونعاني دون سبب
- ونبحث عن معنى في عالم لا يقدّم معنى جاهزًا
- ثم نرحل بينما لا نفهم لماذا بدأ كل هذا أصلاً
هذه - عنده - مثالب الولادة:
أي عيوبها، آفاتها، لعنتها الأولى.
وفي ظل تراكم الأوجاع وكأن الإنسان خلق ليتألم ، يقضي ليلة فرح لكن أمام شهر من طعنات الحياة دفاعا عن هذه الليلة.
وكما يقول الأديب الفرنسي ،جان جنيه الحياة قطع ليال مظلة عدى عن بعض الومضات القليلة التي تضيء في زوايا الانكسارات.
وامام كل ذلك يقول شوبنهاور وكأنه يخاطب غرفة الحب في فندق سعادة الإنسان:
“الحب هو خدعة بيولوجية تجعل الأحمق يظن أنه وجد المعنى، بينما هو يساق كالبهيمة نحو الغريزة “.
وفي ردّي على سيوران أقول:
إذا كان الوجود بلا معنى وهو كلام غير دقيق، فالمعنى يُولد من الإنسان ذاته،
أنا أصنع المعنى، وأضفي على الحياة التسامي، وأجعلها رغم خيانتها أكثر أمانا عندما أصنع الياتي الدفاعية بصفر توقعات للقدر، وصفر تفاعل مع جنونها وأن أعيش علاقة حب مع الله و علاقة آمنة مع البشر ( Secure Attachment )
وأتلهى بالجمال منشغلا عن قبح الوجود الموضوع كبوفيه على مائدة الخذلان والانكسارات والأوجاع.
كل ما يؤلمك يمكن أن تجد له حلا في غرفة الثقافة بأن تفتح النوافذ فلا تتشاءم و تفتح الآفاق عن الأفكار الضيقة وتجد الحياة فرصة للعيش الجميل، وإن كان الطوفان يطرق الأبواب.
أن تجد معنى لكل شي
أي أن:
- الألم
- الحب
- الفقد
- الصراع
يمكن تحويلها إلى معنى داخلي لا يمنحه العالم بل تمنحه أنت.
أنت ترتفي بوجعك، المك؛ حزنك، صدماتك؛ لتجد لك معنى عظيما تعيش من أجله، ويكفي أن تتمسك بالحياة حفاظا على بقية اكسجين بقي في قنينتك التي استهدفتها سكاكين بشرية و قنابل قدرية، لكن بقي منها شيء تستطيع استغلاله لبقية متعة متعبة هاربة من فخاخ الاصطياد، وشباك الاستهداف من دنيا تراها أما حنونا، لكنها عادة ما تكون “زوجة أبيك الحاقدة”، لأن كونك حيا هناك أمل لتفرح أكثر عبر غرف فندق سعادتك الست.
في نظر سيوران:
- أنت وُلدتَ، إذن أنت مُلقى، مُجبَر، مُتعَب
- وكل شيء بعدها هو محاولة لتزيين هذا الإلقاء
فالحياة ليست عبثية لأنها فوضوية فقط،
بل لأن أصلها لم يكن قرارًا واعيًا.
لكنني - على خلافه - لا أرى الخطيئة في الولادة،
أراها في عودتنا المتأخرة إلى أنفسنا.
نولد من رحم الأم مرّة،
لكننا لا نولد من رحم وعينا إلا عندما نخسر شيئًا،
أو ننهض من ظلام،
أو نجلس مع سؤال لم يجرؤ أحد أن يسأله.
لعنة الولادة؟ لا أتفق معه بل أسميها رغم أوجاع الحياة المنتظرة نعمة الولادة فانت عندما منحك الله نعمة الحياة والولادة في هذه الدنيا من بين مليارات البشر الذين لم تتح لهم فرصة الولادة عند موت النطفة أو سقوط الحمل الخ انما ميزك بشيء عظيم كبير فلابد أن تستغله منشغلا بالعطاء البشري وبناء المجد وصناعة حياة جميلة تقوم على الفرح والاستمتاع الهادف .
كما يقول محمود درويش:
“وإذا جاءك الفرح مرة أخرى.. فلا تذكر خيانته السابقة.. ادخل الفرح وانفجر”.
لكن النعمة الحقيقية تبدأ حين نولد لأنفسنا
لا لأن الحياة قررت ذلك عنّا.
لان الحياة عبثية لابد أن نعيشها دون استسلام للوجع أو الألم.يقول عالم النفس فيكتور فرانكل
“المعنى تحت الركام”.
نعم المعنى تحت الركام .
لو بحثت تجد المعنى تحت خسارة حب راهنت عليه، او تحت رفاهية قاتلة لو وازنتها لوجدت بخلفها معنى ينتظرك باطمئنان يولد من تواضع قلب لا تطاول جبين كبرياء، ربما المعنى تحت ركام وجعك، خساراتك المتتالية ، صناديق الامك المتكدسة امام شاطئ اطمئنانك المغلق ضد ابحار سفن حريتك.
نعم المعنى ربما في صدمة وجودية تجد لو فتشت فيشها ،حلا لوجعك الداخلي.
ربما خسارة حب يقودك لربح فهم معنى اعمق للحياة ان الحبيب الحقيقي القادر على طمأنتك هو انت ، انت العاشق وانت المعشوق.
الالام خلقت لكي تخرج الانسان من تفاهة زيادة الرفاهية الخارجية والتعاسة الداخلية ،و رتابة الروتين وبلاهة القيم الاستهلاكية في الحياة
كما يقول غاندي:
“نمُّوا الداخل يهدأ الخارج”.
التحدي يصنع معنى سام
لكني لا أرى الحياة كلها تحديات وكفاح ومواجهة.. هذا بؤس وعذاب،
بقدر ما تعمل يجب أن تفرح، بقدر ما تزدحم أمامك التحديات لابد أن تخلق بجوارها حفلات.
وأن تكون أنت ومن الخطأ أن تصلح قلوب الناس وقلبك كسير، أن تتحول إلى سيارة إسعاف للمصابين في حوادث الزمان القدرية في حين انت نفسك لست بحاجة لسيارة اسعاف فقط بل الى مستشفى كامل لعلاجك .
كما يقول عالم التفسي السويسري ،كارل يونغ:
“أكبر كارثة للإنسان أن يبتلع ظلّ غيره”.
معنى “الظل “ عند كارل يونغ هو صندوقك الاسود الذي تخاف ان تعترف به هذا الصندوق الذي يوجد فيه كل صفاتك وحقيقة شخصيتك والامك واوجاعك التي تخاف ان تعترف بها امام العالم ،والتي تمارسها ربما في الشعور او الخفاء قبل لبسك للاقنعة وانت خارج لمقابلة العالم في لقاءاتك المزيفة و ضحكاتك البلاستيكية و هويتك الاعلامية لا الحقيقية ، تصور اذا كنت غير متصالح مع صندوقك الاسود “ظلالك” بل تقوم بوضع على ظهرك الصناديق السوداء الحزينة للاخرين على ظهرك ،وتتحمل بالنيابة عنهم كل اوجاعهم في تمثيل دور المنقذ او الحامي او المخلص فكيف ستكون حباتك؟
هنا ياتي دور غرفة الثقافة في غرف فندق السعادة الست
كيف تكون متوازنا في الحياة
كيف تجد الحياة فرصة رفاهية لا رحلة عبثية
كيف تكون متفائلا رغم الآلام لا أن تكون متشائما رغم النعم ،
كيف تقرأ الصدمات الوجودية كاختبار
والعلاقات كرحلة وقصة وتجربة لا علة أو غصة أو نهاية مولمة مرتبة.
في غرفة الثقافة لايوجد إلا التفاؤل والبحث عن جمال الوجود
وزينة الحياة
الاستماع باقصى ما يمكن من نعم الحب والانسانية و الجمال التي اوجدها الله في كل الحياة.
السعادة تكمن في أن تكون مطمئنا داخليا وتبحث عن السعادة وأن ترتب الأفكار في عقلك أولا لتترتب حياتك.