احتضنت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية في القاهرة مؤخرًا أعمال الملتقى السنوي الثالث لمراكز الفكر العربية، تحت عنوان: “دور مراكز الفكر في توظيف الذكاء الاصطناعي لتعزيز صنع القرار المستنير”. لم يأتِ هذا الملتقى بوصفه فعالية اعتيادية، بل كتجربة حقيقية تتشكل عبرها ملامح دور جديد لمراكز الدراسات العربية في عصر التحول الرقمي.
وقد تميزت جلسات المنتدى بطرح رؤى معمّقة حول استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الضخمة، واستشراف الأزمات، وتقييم السياسات العامة. وفي كلمة الأستاذ الدكتور محسن الندوي، رئيس المركز المغربي للدراسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية، أمام السفير أحمد رشيد خطابي الأمين العام المساعد رئيس قطاع الإعلام والاتصال بـ جامعة الدول العربية، برزت فكرة لافتة مفادها أن مأسسة البحث العلمي العربي ليست ترفًا فكريًا، بل خيارًا إستراتيجيًا لـ نهضة عربية متجددة.
هذا التحول في التفكير يعيد تعريف وظيفة مراكز الفكر في العالم العربي اليوم؛ فهي لم تعد مجرد مؤسسات بحثية تنتج تقارير وتحليلات، بل أصبحت جزءًا أصيلًا من هندسة السياسات العامة، وشريكًا مباشرًا في صياغة الرؤية المستقبلية.
وخرج المنتدى بجملة من التوصيات العملية، من بينها إطلاق برامج تدريبية للباحثين في مجال الذكاء الاصطناعي، وإنشاء شبكة بيانات عربية موحدة، واعتماد ميثاق شرف عربي لأخلاقيات العمل البحثي. وهي توصيات تعبّر عن انتقال نوعي في التفكير العربي تجاه البحث العلمي؛ من مجرد رصد الظواهر إلى المشاركة في صناعة الأدوات ذاتها.
إن التركيز على الذكاء الاصطناعي في هذا المحفل لم يكن مجرد خيار تقني، بل تعبير عن إدراك عميق بأن المستقبل سيُدار بمنهج استباقي يعتمد على التحليل والتنبؤ واتخاذ القرار العلمي. واليوم، تمتلك مراكز الفكر العربية فرصة تاريخية لتكون الذراع الاستراتيجية للعقل العربي الحديث، وقوة معرفية قادرة على تحويل التحديات الرقمية إلى رؤية مشتركة لصياغة الغد العربي بثقة أكبر ووعي أوسع.