العدد 6259
الأربعاء 03 ديسمبر 2025
احتراف مزيف
الأربعاء 03 ديسمبر 2025

هناك مقولة أزلية تقول: “لا يصح إلا الصحيح”، ومعناها أن الحق يشعّ نوره كالشمس، ونور الشمس لا يُغطّى بمنخل مهما حاول البعض. وفي مجتمعنا اليوم تتنامى ظاهرة خطيرة، لكننا - للأسف - تأقلمنا معها، أو أقنعنا أنفسنا بالتأقلم معها، وهي ظاهرة تصديق الدخلاء على المهن والاستعانة بهم دون تمحيص أو وعي.

لقد أصبحت السوق مفتوحة لكل من هبّ ودبّ، وتكاثرت الأمثلة على هؤلاء المتطفلين الذين ألحقوا الضرر بأصحاب المهن الحقيقيين. امرأة تقرأ كتبا عدة في المكياج وتظن أنها بلغت الاحتراف، وهي لا تفقه أساسيات المهنة، ثم تطلق إعلانًا فيتدافع الزبائن إليها تاركين أصحاب الخبرة. وقارئ عادي يحوّل نفسه إلى “معلّم” ويبدأ بإعطاء دروس خصوصية دون أي تأهيل أو معرفة تربوية، وكأن التعليم بابٌ يمكن للجميع دخوله بلا معايير أو مسؤولية.

وتخبرنا التجارب أن هؤلاء الدخلاء لا يسببون خسائر مادية فقط، بل يضربون المهن في جوهرها، ويزاحمون من بذلوا سنوات في التعلم واكتساب التراخيص والخبرة. ولكن ما العمل إذا كان الناس أنفسهم يلجأون إليهم ويمنحونهم الشرعية من خلال الإقبال العشوائي عليهم؟

وقد وصل الأمر إلى أن بعض الحلاقين الآسيويين يجلبون أبناءهم إلى المحلات ليتعلموا المهنة تدريجيًّا: يشاهدون أولًا، ثم يتدرّبون، ثم تُسلَّم لهم راية المحل وكأن المهن أصبحت بلا ضوابط ولا رقابة. صحيح أن بعض المهن تحتاج إلى التعلم والتدريب، لكن ليست بهذه الصورة التي تبعث الألم والحسرة.

ولهذا، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى وعي مجتمعي أكبر، وإلى تقنين أشد صرامة يحمي المهن ويعيد الاعتبار لأصحابها الحقيقيين.

* كاتب بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية