الدراسة في الخارج تدخل في نفق مظلم.. تكاليف أعلى وجدال سياسي أكثر
قلبت 5 سنوات مضطربة عالم الدراسة في الخارج رأساً على عقب. فبعد أن أوقفت جائحة كورونا برامج التبادل الدولي وأعادت آلاف الطلاب الأميركيين إلى منازلهم، عاد المشهد ليتحرك من جديد، لكن بصورة مختلفة تماماً.
اليوم، أعداد الطلاب الأميركيين الذين يدرسون خارج البلاد تكاد تقترب من مستويات ما قبل الجائحة، بل إن هناك موجة متنامية من الطلاب الذين يختارون إكمال مسيرتهم الجامعية كاملة خارج الولايات المتحدة، هرباً من ارتفاع تكاليف التعليم المحلي. حتى الرحلات القصيرة باتت رائجة، في محاولة من العائلات لتوفير تجربة عالمية لأبنائها دون تجاوز حدود ميزانياتهم، بحسب تقرير موسع لـ"Business Insider".
لكن الطريق ليس مفروشاً بالورود. التكاليف ترتفع، المنح الدراسية تتقلص، والسياسة تلقي بظلالها الثقيلة على المشهد. وحتى إن الفوضى الداخلية في أميركا باتت تلاحق الطلاب خارج الحدود، إذا تمكنوا أصلاً من عبورها وسط ضغوط اقتصادية وسياسية متشابكة.
ويؤكد خبراء التعليم الدولي أن الدراسة في الخارج أصبحت أكثر أهمية في اقتصاد عالمي مترابط، لكنها في الوقت نفسه أصعب من أي وقت مضى.
أرقام تكشف الإقبال رغم التحديات
بحسب تقرير "Open Doors" الصادر عن معهد التعليم الدولي، فإن نحو 300 ألف طالب أميركي درسوا خارج البلاد خلال العام الأكاديمي 2023-2024، بزيادة 6% عن العام السابق. الوجهات الأوروبية، مثل إيطاليا وإسبانيا وبريطانيا وفرنسا، لا تزال الأكثر جذباً.
وفي خطوة لافتة، ارتفعت طلبات الالتحاق الكاملة بجامعات خارجية، حيث بريطانيا سجلت زيادة 14% في طلبات الأميركيين لفصل خريف 2025، بينما قفزت طلبات الدراسات العليا في جامعة كولومبيا البريطانية بكندا بنسبة 27%.
قالت رئيسة منتدى التعليم الدولي، ميليسا توريس: "الطلب على الدراسة في الخارج غير مسبوق"، مؤكدة أن الإقبال في تصاعد رغم العقبات.
تكاليف تثقل الكاهل.. وسياسات تربك المشهد
إعادة تشغيل برامج التبادل بعد الجائحة لم تكن سهلة، ومعظم المؤسسات تكافح لاستعادة نشاطها. لكن التحدي الأكبر يبقى المال. إذ تختلف ترتيبات التمويل بين الجامعات.
بعض الجامعات تعفي الطالب من الرسوم المحلية مقابل دفع رسوم البرنامج الخارجي، بينما يفرض آخرون دفع الرسوم كاملة للجامعة الأميركية إضافة إلى تكاليف السكن والمعيشة بالخارج، ما رفع فاتورة التعليم الجامعي إلى مستويات باهظة، حتى مع وجود منح وقروض.
وأوضح نائب رئيس مؤسسة "AIFS Abroad" ريان داي، أن القلق المالي يضغط على الجامعات نفسها، مع تراجع التمويل الحكومي وانخفاض أعداد الطلاب الدوليين في أميركا بسبب سياسات الهجرة المتشددة في عهد ترامب، ما حرم الجامعات من مصدر دخل مهم.
قرارات مفاجئة.. ومصير المنح على المحك
بلغت الأزمة ذروتها في فبراير الماضي حين أوقفت إدارة ترامب تمويل برامج تبادل دولية، بينها منحة "فولبرايت-هايز" ومنحة "جيلمان"، ما ترك طلاباً في الخارج في حالة ارتباك.
ورغم إعادة التمويل لاحقاً، إلا أن التوزيع كان بطيئاً ومجزأً، ما أثار مخاوف من المستقبل. وفي أغسطس، ألغت الإدارة 100 مليون دولار من ميزانية 22 برنامجاً للتبادل الثقافي، في خطوة اعتبرها خبراء تهديداً لاستمرارية هذه المبادرات.
السياسة تلاحق الطلاب حتى في الخارج
حتى بعد تجاوز عقبة التمويل والوصول إلى الوجهات البعيدة، يواجه الطلاب الأميركيون واقعاً سياسياً واقتصادياً يلاحقهم من بلادهم. بعضهم يشعر بالارتياح للهروب من أجواء التوتر في الجامعات الأميركية، لكن في عالم مترابط، لا مفر من السياسة.
قالت جيل مادينبرغ، مستشارة قبول جامعي، إن القلق المالي لا يزال الأولوية، لكن السياسة أصبحت جزءاً من النقاشات العائلية. بعض الآباء يخشون من نظرة الأجانب إلى أبنائهم كأميركيين في الخارج.
من رفاهية إلى ضرورة مهنية
لم تعد الدراسة في الخارج مجرد تجربة ممتعة مليئة بالرحلات والمتاحف، بل أصبحت استثماراً في المستقبل المهني، حيث أظهرت دراسة حديثة أن الطلاب الذين درسوا بالخارج يكسبون في أول وظيفة بعد التخرج أكثر بـ 4,159 دولاراً من أقرانهم، أي بفارق 6.3%. وعلى المدى الطويل، يمكن أن يكون الأثر المالي كبيراً.
كما أكد 90% من خريجي برامج التبادل أن التجربة ساعدتهم في تطوير مهارات العمل، وأكثر من نصفهم قالوا إنها ساعدتهم في الحصول على أول وظيفة. في ظل مخاوف من فجوة المهارات وسوق عمل يتغير بفعل الذكاء الاصطناعي، يرى الخبراء أن الدراسة في الخارج تسد هذه الفجوة.
