العدد 6254
الجمعة 28 نوفمبر 2025
عذرًا للكفاءات.. “ما يعرف كوعه من بوعه”
الجمعة 28 نوفمبر 2025

يقال في المثل الشعبي: “ما يعرف كوعه من بوعه” لوصف شخص محدود الذكاء والخبرة، والذي من المفترض منطقيًا أن تكون فرصه في التمكين والارتقاء الوظيفي أقل من غيره إلى أن يثبت جدارته أو يحقق تطورًا لافتاً. إلا أن المفارقة المؤسفة أن هذا النموذج تحديدًا أصبح - في بعض المؤسسات - خيارًا مفضّلاً عند بعض المسؤولين؛ فيرفعونه في السلّم الوظيفي، ويقرّبونه إلى مكاتبهم متجاوزين معايير الجدارة والاختيار العادل، ومنتهكين بذلك الأمانة الوظيفية التي أوكلها لهم الوطن لتمكين الأكفأ من أبنائه. لكن، لماذا يُفضّل البعض هذا النوع من الموظّفين؟

ببساطة لأنه لا يعتبر تهديدًا له، بل هو ربّما يشكّل سياجًا آمنًا حول هذا المسؤول أو ذاك، فيظل هذا الأخير “الخبرة الوحيدة” والعقل المدبّر الذي لا يمكن الاستغناء عنه، ويستحوذ على كل الفرص ويحتكر لوحده السلطة والقرار، ولا يُفوّض إلا من “لا يعرف كوعه من بوعه”، والذي لا يناقش ولا يدقّق، ولا يراجع قرارًا أو إجراءً، بل يهتف ويصفّق لأي توجيه، صائبًا كان أم خاطئًا... باختصار من تنطبق عليه معايير البطانة “الطالحة” من الموظفين المقرّبين الذين لا يزيدون المسؤول الأوّل إلا خبالا. وهذه شكوى متكررة من الكفاءات الشابة والخبيرة على حد سواء لما تشعر به من ضيم وتجاهل لها.. هذه الكفاءات تزدهر حين تجد بيئة ومسؤولًا صادقًا يؤمن بالعدالة وتمكين المستحق، لكنها تخبو عندما تواجه مسؤولًا يحاربها لا لِعَيْب فيها، بل لأنها أكثر وعيًا، وأكثر قدرة، وأكثر كفاءة منه أو من أقرانها. وكم من كفاءة اختفت لا لعجزٍ فيها، بل بفعلٍ لا يمتّ إلى المهنية والعدالة والوطنية بصلة، دون أن يثير غيابها دهشة أحد.

والمؤسف أن من “لا يعرف كوعه من بوعه”، إذا مُكّن ودُرِّب وأُتيح له ما لم يُتح لغيره، اكتسب خبرة شكلية تجعل منه واجهة، بينما لو مُنحت ذات الفرص لمن يستحق لكان الأثر أعمق والأداء أرفع.

ولا أجد خاتمة أبلغ ممّا ورد في صحيح البخاري من حديث رسول الله ﷺ الذي وضع الميزان الحقيقي للجدارة والأمانة؛ فبيْنَما النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ القَوْمَ، جَاءَهُ أعْرَابِيٌّ فَقالَ: “مَتَى السَّاعَةُ”؟ (...) قالَ: “فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ، قالَ: كيفَ إضَاعَتُهَا؟ قالَ: إذَا وُسِّدَ الأمْرُ إلى غيرِ أهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ”.

 

كاتبة بحرينية وباحثة قانونية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية