+A
A-

الطاقة في دول الخليج... من البدايات المتواضعة إلى الشبكات الحديثة

شهدت دول الخليج العربي واحدة من أسرع التحولات الحضارية في المنطقة خلال القرن العشرين، حين دخلت الكهرباء إلى مدنها وأسواقها وبيوتها للمرة الأولى، لتغيّر شكل الحياة اليومية وتفتح الباب أمام نهضة عمرانية واقتصادية واسعة. وعلى الرغم من اختلاف توقيت البدايات بين دولة وأخرى، فإن القصة تكاد تتشابه في مسارها؛ من مولدات صغيرة وضوء خافت في بعض الأحياء، إلى شبكات وطنية متكاملة تغطي كل منزل وتربط دول المجلس عبر منظومة موحدة.

بدأت الشرارة الأولى في المملكة العربية السعودية مطلع القرن العشرين، حين أُنير المسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة عام 1907 باستخدام مولّدات بسيطة لا تتجاوز قدرتها 20 كيلوواط، في خطوة عكست رغبة مبكرة في إدخال التقنية الحديثة إلى حياة الناس. ومع خمسينيات وستينيات القرن الماضي، تسارعت خطوات تنظيم قطاع الكهرباء وتوسعة الشبكات لتشمل المدن والقرى، وصولًا إلى دمج الشركات المحلية في أربع مناطق رئيسية شكّلت اللبنة الأولى للبنية الكهربائية الحديثة.

أما في الكويت، فقد بدأت الحكاية في عام 1934 عندما أنشأت ‮«الشركة الأهلية للكهرباء‮» أول محطة صغيرة بقدرة 200 كيلوواط لتزويد بعض أحياء العاصمة بالتيار المباشر، قبل أن تنطلق الدولة في تنفيذ محطات أكبر في منطقة الشويخ خلال الخمسينيات، وهو ما مهد لوصول الكهرباء إلى مختلف المناطق الحضرية خلال عقود لاحقة.

وفي البحرين، انطلقت الخطوة الأولى عام 1931 من خلال مولّد صغير في رأس رمان بقدرة 200 كيلوواط، لتبدأ رحلة توسعة متواصلة شهدت افتتاح أول محطة كبرى عام 1955، ثم تأسيس دائرة الكهرباء عام 1958، وصولًا إلى مرحلة دمج قطاعي الكهرباء والمياه تحت إدارة وطنية واحدة تدير شبكة تمتد إلى مختلف المحافظات. (اقرأ الموضوع كاملا بالموقع الإلكتروني)

 

وفي دول قطر وسلطنة عُمان والإمارات العربية المتحدة، ارتبط دخول الكهرباء بنمو المدن الساحلية واكتشاف النفط، حيث بدأت محطات أولية في الخمسينيات والستينيات، قبل أن تشهد طفرة كبيرة مع بدايات السبعينيات وقيام دولة الاتحاد في الإمارات، لتتوسع الشبكات وتواكب تسارع التطور العمراني والاقتصادي. ومع نهاية سبعينيات القرن الماضي، كانت معظم دول الخليج قد أكملت بناء محطاتها الأساسية وربط شبكاتها الحضرية والريفية، قبل أن تنتقل إلى مرحلة أوسع تتمثل في مشروع الربط الكهربائي الخليجي الذي انطلق فعليًا في مطلع الألفية الجديدة، وأتاح تبادل الطاقة بين دول المجلس وتعزيز أمن الإمدادات، في واحدة من أهم خطوات التكامل الإقليمي.

 

اليوم تغطي الكهرباء جميع المنازل في دول مجلس التعاون بنسبة 100 % وفق الإحصاءات الرسمية، بعد رحلة بدأت بخطوات صغيرة ومتواضعة، لكنها غيّرت شكل الحياة في المنطقة إلى الأبد. فقد تحولت المصابيح الأولى إلى مدن مضيئة على مدار الساعة، وتحولت المولدات البدائية إلى محطات ضخمة تعتمد أحدث تقنيات التوليد والنقل، بينما تتجه الدول اليوم إلى الطاقة النظيفة والشبكات الذكية والاستثمارات الضخمة في الطاقة الشمسية والنووية لضمان مستقبل مستدام لهذا القطاع الحيوي.

 

وهكذا، فإن قصة دخول الكهرباء إلى الخليج ليست مجرد تاريخ تقني، بل هي رواية عن التحول الاجتماعي والحضاري والاقتصادي، وعن قدرة دول المنطقة على تحويل تحديات البدايات إلى بنية تحتية تُعد من الأحدث على مستوى العالم.