لم يعد الزواج “صمام الأمان” أو “الحلم الوحيد” الذي تسعى له كل فتاة كما كانت تفعل في عقود مضت. تتصاعد الآن ظاهرة عزوف الفتيات عن الزواج أو التأخر في الإقدام على التجربة، لتتحول من مجرد حالات فردية إلى ظاهرة اجتماعية تستدعي الوقوف عندها وفهم أبعادها العميقة. إن هذا التحول لا يعكس بالضرورة رفضًا لمؤسسة الزواج بحد ذاتها، بقدر ما هو إعادة ترتيب للأولويات في ضوء التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي شهدتها المجتمعات.
ويُعدّ سعي الفتاة للاستقلال الذاتي وبناء الذات الأكاديمية والمهنية أحد أبرز الأسباب، حيث أصبحت الفتيات يطمحن للوصول إلى أعلى المستويات التعليمية والوظيفية، وينظرن إلى الاستقرار المادي والمهني على أنه حصن أمان لا يقل أهمية عن الزواج، بل ويفوقه في بعض الأحيان. هذه الاستقلالية تجعلها تخشى الارتباط الذي قد يُفقدها حريتها أو يعوق طموحاتها المهنية، خصوصا في ظل نماذج زواج تقليدية تطالب المرأة بتقديم تضحيات مهنية أكبر.
وتلعب البيئة الاجتماعية دورًا حاسمًا في تشكيل رؤية الفتاة للزواج؛ فالتجارب السلبية التي تشهدها الفتيات، كارتفاع معدلات الطلاق، والنزاعات الأسرية، وتسلط بعض الأزواج، تخلق لديهن خوفًا مضاعفًا من تكرار التجربة. كما أن الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي غالبًا ما تُضخّم صور المشكلات الزوجية؛ ما يرسخ صورة ذهنية مشوهة عن الحياة المشتركة، لتُظهرها “كعبء” و “تقييد” بدلا من أن تظهرها “كسكن” و “مودة”.
ومع ارتفاع مستوى تعليم وثقافة الفتاة، ارتفعت معاييرها في اختيار الشريك، ولم يعد الأمر مقتصرًا على التكافؤ المادي، بل امتد ليشمل التكافؤ الفكري والثقافي والنفسي. الفتاة تبحث عن شريك “مناسب” بالمعنى الشامل، لا عن أي شخص وحسب.
في المقابل، نجد أن التحديات الاقتصادية كغلاء المهور، وتكاليف السكن الباهظة، والبطالة بين الشباب، تجعل الكثير من الشباب غير قادرين على تلبية هذه المتطلبات؛ ما يخلق فجوة متزايدة بين تطلعات الفتيات وقدرة المتقدمين.
هذا العزوف يلقي بظلاله القاتمة على الفتاة نفسها وعلى أسرتها ومجتمعها؛ ذلك أن تأخر سن الزواج، قد يؤثر على معدلات الإنجاب، وسوف تتحول نظرة المجتمع إلى مفهوم “العزوبية” كخيار مقبول ومستقل، ناهيك عما قد يؤدي إليه ذلك من الخوف من الالتزام وتفضيل بعض العلاقات العاطفية العابرة على الارتباط الرسمي. إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب مواجهة جادة ليس للفتيات وحدهن، بل تشمل المجتمع بأسره الذي تقع عليه مسؤولية تصحيح المفاهيم المشوهة عن الزواج، وتقديم نماذج صحية للعلاقات الزوجية القائمة على الشراكة والاحترام المتبادل. بالإضافة إلى دعوة الأسر والمجتمعات إلى تيسير الزواج والابتعاد عن التكاليف الباهظة والمغالاة في المهور والمظاهر الفارغة، وغرس مفهوم أن الزواج الحديث هو شركة بين طرفين متكافئين، حيث تتقاسم فيه المسؤوليات والأحلام، ولا يكون قيدًا على طموح أحدهما.
ختامًا، إن عزوف الفتيات عن الزواج ليس مجرد “تمرد” مطلق، بل هو مؤشر على مرحلة جديدة يمر بها المجتمع، مرحلة تتطلب إعادة الصياغة لمفهوم الزواج ليصبح متماشيًا مع واقع المرأة العصرية المستقلة والطموحة، وملبيًا لحاجاتها وفق المتاح، ومتوافقا مع العقل والمنطق.
*كاتبة بحرينية