العدد 6243
الإثنين 17 نوفمبر 2025
مؤنس المردي.. المنارة التي بقيت في مهابها
الإثنين 17 نوفمبر 2025

صديق الدرب والمشوار الصحافي، أخي العزيز مؤنس المردي، يغادر رئاسة تحرير صحيفة “البلاد” بعد رحلة عطاء ثرية امتدت بعمق في الذاكرة المهنية والإنسانية. كان المردي يمثل وجهًا مضيئًا من وجوه التحدي الثابت والعزم الراسخ، ورجلاً لا تهتز بوصلته أمام المتغيرات، ولا تتبدل شمائله مهما تعاظمت المسؤوليات أو توهجت الأضواء.
وما يربطني بمؤنس ليس مجرد رفقة صحافية، بل ذلك الخيط الخفي الذي ينساب من سيرة والدينا. فالمردي الأب “محمود المردي رحمه الله”، ووالدي محمد الماجد، رحمه الله، التقيا في جريدة الأضواء في ستينيات القرن الماضي، حيث كانا أخوين في الحرف والثقافة وصحافة كانت تُكتب على أصولها النبيلة. وحين غاب الجيل الأول، شاء القدر أن يلتقي الابنان تحت سقف “البلاد”، يعملان معًا ويتقاسمان رغيف الإخلاص، وكأن صوتًا خفيًّا ينادينا: إنكما، مثل آبائكما، ستقضيان ثلث عمريكما أو نصفه في بلاط صاحبة الجلالة.
لم يشغله بريق الشهرة، ولم يغيّر منه شيئًا، وبقي قريبًا من الجميع، محبًّا ومعينًا لإخوانه الصحافيين والكتّاب، متمسكًا بقيم المهنة وأخلاقها. كان يحمل وفاءً نادرًا للصحافة، ودفئًا في الخطاب، وحرارة في التنفيذ، ويؤمن بأن الحقيقة لا تُقال بنصف قلب.
واليوم، وهو يطوي هذا الفصل من مسيرته، يبقى مؤنس واحدًا من تلك الوجوه التي لا تغادر المشهد مهما تغيّرت المواقع. حضورُه ظلّ قيمةً في حدّ ذاته؛ قيمةً تشبه السند، وتشبه الحكمة التي لا تُشترى، وتشبه تلك الأرواح التي تعلّمك أن الصحافة ليست مهنة فحسب، بل هي موقف وضمير ومعنى. إن انتقاله من موقعه ليس نهاية، بل بداية أخرى لرجل اعتاد أن يصنع أثره بصمت الكبار، وأن يترك وراءه سيرة تظل تُروى كلما ذكرت المروءة ونُبل المهنة. مؤنس.. المنارة التي بقيت في مهابها.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .