العدد 6239
الخميس 13 نوفمبر 2025
حين تغلق المكتبات.. تختنق الأرواح
الخميس 13 نوفمبر 2025

 عندما نصل إلى مرحلة إغلاق المكتبات وإعلان تصفيتها، فإننا نخرج طوعًا من سياق التاريخ والعصر الذي نعيش فيه، فالمكتبات ليست مجرد محالّ تجارية تبيع الكتب، بل هي شرايين المعرفة ونبض المجتمع الثقافي.. إنها الذاكرة التي تحفظ للأمم ملامحها ووعيها، وعندما تُغلق مكتبة، فكأننا نغلق نافذة تطل على العقل الإنساني.
للأسف، سمعنا مؤخرًا عن مكتبة عريقة أعلنت إغلاق أبوابها بعد مسيرة طويلة من العطاء الثقافي والنشاط الأدبي، وعن تصفية شاملة لما تبقى من كتبها بأسعار رمزية، وكأنها تودّع الحياة بصمت موجع.
انظروا إلى أين وصل بنا الحال! نغلق المكتبات، ونتخلى عن الكتاب الورقي مقابل بدائل رقمية باردة لا تملك دفء الورق ولا عبق الحبر. نغلق منارات كانت تضيء دروب العقول، ونستبدلها بشاشات عابرة لا تحفظ أثر اللمس ولا حرارة الفكرة.
إغلاق مكتبة ليس حدثًا عابرًا، بل رسالة دامية تحمل رماد الأحلام. صرخة ألمٍ تصعد من حنجرة الثقافة المتعبة، وصدى لأنين الكتب التي أنهكتها أشواك النسيان. في عصرٍ يضج بالتناقضات، يبدو أنه لم يعد للمكتبات مكان في قلب المجتمع، إذ تسللت إليها يد الإهمال، فتراجع القارئ وغاب الشغف، وانطفأت الرغبة في المعرفة.
أتدرون أجمل بقعة في العالم زرتها؟ سور الأزبكية بالعتبة في القاهرة، حيث تتكدّس الكتب القديمة ككنوزٍ منسية، وتفوح رائحة التاريخ من بين الصفحات الصفراء. هناك تتجلّى أسرار الإبداع العربي، وهناك تعرف كم كان الكتاب يومًا سيدًا في حياة الناس.
يا للأسف! كم تغيّر الزمان، وكم تراجعت القيم.. كانت القراءة شغفًا يوميًّا، وكانت المكتبة جزءًا من وجداننا. أمّا اليوم، فإن تصفية الكتب ليست سوى طعنة موجعة في خاصرة الوعي... بل أعنف من كسر الضلوع.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية