من خلال وضعي لغرف فندق السعادة الست تتضح الرؤية جلية كمقياس تقييمي للبشرية لمن هو الأقرب للسعادة والاطمئنان النفسي والتمتع بالحياة، ليس فقط الناس العاديين بل حتى أولئك الذين ملؤوا العالم وشغلوا الناس من عظماء التاريخ أو العصر الحديث.
لا يكفي امتلاك غرفة عن البقية وإلا أصبحت السعادة مشوهة وناقصة مهما بدت جميلة ومثالية في أعين الناس.
في فندق الوجود الكبير، كل إنسان يسكن ستّ غرف: غرفة الحب، وغرفة الجسد، وغرفة المال، وغرفة الروح، وغرفة المجتمع، وغرفة الثقافة.
من يدخلها جميعا يعيش التوازن الذهبي، ويبلغ ما يسميه الحكماء المرحلة الملكية؛ الطمأنينة العظمى.
لكن العظماء، أولئك الذين أضاؤوا العقول وأحرقوا أنفسهم، كثير منهم لم يسكنوا إلا غرفة واحدة أو اثنتين، وتركوا بقية الغرف موصدة تعجّ بالعتمة؛ فكانت العبقرية لعنتهم، والذكاء نصلا في قلوبهم.
الحياة ليست غرفة واحدة مهما اتسعت. إنها كوكتيل من ستّ نكهات: حبّ يدفئ، جسد يتّزن، مال يصون، روح تضيء، مجتمع يحتضن، وعقل يُنير.
من مزجها باعتدال عاش الملكية الكبرى، المرحلة التي لا تشبه الغنى ولا الشهرة، بل تشبه السَّكينة.
كلّ مَن يريد أن ينجو من مصير العظماء المتألمين، يجب أن يتعلّم ثقافة الحياة وفنّ إدارة الذات كفندق مقدّس، تُفتَح فيه الأبواب جميعا، ويُعاش كلّ يوم كجرعة من توازن.
الذكاء وحده لا ينقذ، ولا الإيمان وحده، ولا المال وحده، إنما المزج الذهبيّ (كوكتيل الحياة المتكامل).
فالسعادة ليست في الغرفة الأجمل، بل في التنقل بين الغرف بحكمة. وليست في الثروة، بل في القدرة على الشكر. وليست في الحُب وحده، بل في أن تحب وأنت متوازن من الداخل.
حين تفتح الغرف الست، يصبح الإنسان قائدا لا على الناس، بل على نفسه. مسيطرا على وقته، على قلبه، على رغباته. تُصبح روحه عرشا يسكنه النور، ويغدو صوته موسيقى لا ضجيجا.
فالملكية الحقّة ليست أن تملك، بل أن تَتّزن. أن تجلس في بهو الفندق وتنظر إلى غرفك جميعا، فتقول في رضا: “الحمد لله، كل غرفة مضاءة، حتى لو كان الضوء خافتا.
حين تدخل كل غرفة بصدق، تشعر أن حياتك لم تعد سلسلةَ صدف ولا سباقَ بقاء، بل لوحة كاملة الألوان.
حينها، لا يهم كم تملك، ولا كم يعرفك الناس، ولا كم الناس يقدرونك ولا حجم ما تمتلك من ثقافة أو وجاهة اجتماعية أو جسد رشيق.. القوة تكمن في امتلاك الغرف الست لتقترب من النجاة وكلها قائمة على كم أنت مُتّزن، مطمئن، جميل من الداخل.
المرحلة الملكية ليست حياة بلا ألم، بل حياة يعرف صاحبها كيف يحوّل الألم إلى طاقة، والنقص إلى درس، والوقت إلى معنى.
ثقافة الحياة ليست ترفا، إنها الوعي بأن كل غرفة مغلقة فيك، تُعطّل جمالك كله. افتحها واحدة تلو الأخرى، لا بعجلة بل بوعي؛ فمن يضيء غرفه الداخلية، يصبح منارة لمن حوله، يعيش سعيدا لأنه فهم المعادلة البسيطة: أن تكون إنسانا متوازنا، خير من أن تكون عبقريا محطما.
في فندق الوجود الكبير، كل إنسان يسكن ستّ غرف: غرفة الحب، وغرفة الجسد، وغرفة المال، وغرفة الروح، وغرفة العلاقات الاجتماعية، وغرفة الثقافة.
فرغم عظمة العظماء لكني اختلف مع من قيَّمهم سعداء أو تعساء.
هناك من قيم بوذا أو رابعة العدوية أو تولستوي أو الراهبة تريزا أو مانديلا، أنهم كانوا يمتلكون قمة السعادة وأنا أختلف معهم. لأنه لا يمكن بناء السعادة فقط على غرفة الروح. فالعلاقة مع الله مهمة وعدم التعلق بالأشياء مهم لكن من المهم لامتلاك السعادة أن تكون قريبا من الله، ولا تنس بقية الغرف من ثقافة ومال وجسد وحب.. إلخ. ما أسميه بالسعادة الواقعية.
السعادة العملية التي تكون في داخل الإنسان وخارجه.. داخله سعيد ويمتلك كل مقومات السعادة، في الخارج دون دروشة أو تبتل لا عملي أو رهبانية ملتبسة.
العظماء كانوا متشظين من الداخل، وإن أظهروا العكس لهذا هنا يجب علينا أن ننظر في مآسيهم لا لنرثيهم، بل لنفهم الثمن الذي يدفعه الإنسان حين يكتفي بغرفة واحدة في فندق الوجود.
ونعود لذات التساؤل: العظماء في فندق السعادة.. ماذا لو أنهم أحبّوا الحياة؟
في متحف الذاكرة الإنسانية، نُطالع وجوها أضاءت عصورها ثم احترقت بنورها. لكننا نتساءل في تأمل حزين: ماذا لو أنهم لم يكتفوا بغرفة واحدة؟ ماذا لو أنهم تعلّموا ثقافة الحياة، ودخلوا غرف السعادة الست: الحب، الجسد، المال، الروح، العلاقات، والثقافة؟
حتى الزعماء الشعبويون لم يمتلكوا السعادة كاملة وإن سحرهم حب الجماهير أو تظاهروا بالتقوى؛ فالإيمان العملي هو جزء من غرفة الروح في فندق السعادة، فماذا عن بقية الغرف؟
ما الفائدة زعيم يمتلك “إيمانا “ لكنه لا يمتلك ثقافة حضارية منفتحة على الإنسان وثقافة الإنسان وحضارة الإنسان؟
لا يمكن أن يلتقي الإيمان مع ثقافة مغلقة، هنا تصبح السعادة غير مكتملة. وقس على ذلك في كل المجالات والعلوم.
سوف أضرب أمثلة لعظماء التاريخ لنرى حجم المفارقة، وهل كانوا سعداء؟ وكم غرفة من فندق السعادة تمكنوا من دخولها؟
فريدريك نيتشه، وهو الفيلسوف العظيم وصاحب أطروحة الإنسان الخارق وأصل الأخلاق. لقد كان مالئ الدنيا ضجيجا. كان يمتلك ثقافة عالية لكن حتى الثقافية منها ملتبسة، وكذلك غرفة الروح كانت معقدة؛ ذلك لأنه تجذر في استخدام العقل فقاده إلى علاقة متوترة وضبابية مع الله. إضافة إلى أن غرفة الحب لديه آيلة للسقوط بسبب عدم امتلاكه النضج العاطفي في التعامل مع المرأة؛ فقاده هذا إلى تعلق بسالومي ومن ثم الانهيار عند رفضها لعلاقته.
عاش مأزوما بين عبقرية الفكر وضعف الجسد، مصابا بالصرع، معزولا في جبال سويسرا، لم يعرف حبا مستقرا ولا صداقة طويلة.
كان يكتب عن القوة وهو يغرق في الضعف.
فلسفته عن “الإنسان الأعلى” كانت صرخة رجل يُقنع نفسه أن الألم بطولة.
والسؤال: ماذا لو أنه عالج جسده كما عالج أفكاره؟ لو مارس التأمل والهدوء بدلا من حرب الأفكار؟ لو أحبّ امرأة تهبه الاستقرار بدلا من أندرياس سالومي التي كسرت غروره؟ لو جعل من الرياضة اليومية - وهو الذي كان يعشق الطبيعة - وسيلة لإعادة التوازن العصبي؟ لو دخل غرفة الحب والروح، لربما كتب “هكذا قال زرادشت” كأنشودة سلام، لا كإعلان تمرد. ولربما عاش حتى الشيخوخة، يدرّس طلابه عن قوة الرحمة لا الرحمة كقوة.
كان نيتشه عظيما لكنه كان بغرفة واحدة غرفة الثقافة، وفندق سعادته بلا غرفة روح ولا غرفة جسد ولا حب ولا مال ولا علاقات اجتماعية صحية؛ لهذا لم يكن سعيدا ومات مسكينا.
ولو قمنا بتطبيق غرف السعادة الست على الرسام الهولندي فنسنت فان جوغ، فسنكتشف أين يكمن الخلل في حياته.
لقد عاش حياته يصارع الفقر والرفض، لم يبع سوى لوحة واحدة، كان حساسا حتى الوجع، وحيدا حتى الجنون.
قطع أذنه لا لأنّه مجنون، بل لأنّه صرخة الجسد في وجه الحرمان العاطفي.
ماذا لو أنه وجد صديقا يفهمه لا يحلله؟ لو عاش في قرية تحت ضوء الشمس بدلا من عتمة الغرفة؟ لو حوّل اكتئابه إلى تأمل في الطبيعة، وخرج كل صباح ليرسم بين الحقول بدلا من جدران الوحدة؟ لو كان له علاج نفسي، وغذاء متوازن، وبعض الهدوء الداخلي، لكان رسم “حقل القمح” ثم جلس أمامه يبتسم لا ليودّع الحياة، بل ليحياها. كان يمكن أن يصير رمزا للسلام لا للألم لو دخل غرفة الجسد والروح والحب.
فان جوغ أصيب بتعلق مرضي في الحب، وهذا كان نتاج فقدانه لمنطقة الأمان النفسي التي يحتاجها كل إنسان، وإن أكبر خطأ يرتكبه أي بشر عندما يظن أن منطقة الأمان يمكن تحقيقها عن طريق شخص آخر ولو كان حبيبا. أنت وحدك مسؤول عن منطقة أمانك وبقية البشر مجرد ضيوف على مائدة حياتك وعابري طريق.
فان جوغ كان يعاني غربة انتماء وجغرافيا، وعلاقات مجتمعية مضطربة، وكان يعاني مرض الصرع، وكان فقيرا، وأيضا عاشقا من طرف واحد، وجسده هزيل من المرض والاضطرابات النفسية، وعلاقته مع الله تقترب من الضبابية. نلاحظ هنا سقطت معظم الغرفة، غرفة الروح وغرفة الحب وغرفة الجسد وغرفة المال وغرفة المجتمع ولم تبق عنده إلا غرفة الثقافة؛ فمن الطبيعي أن ينهار فندق سعادته ويتهاوى؛ لذلك كانت النهاية هي الانتحار بإطلاق الرصاص على نفسه.
ولو جئنا لدوستويفسكي، فهو شخصية عظيمة، ومن أكبر الشخصيات التي سبرت غور النفس البشرية، ودخلت في دهاليزها، لكننا سنتفاجأ من أنه حرم من أغلب غرف فندق السعادة.
المرض كان يفتك به، الديون تلاحقه وعلاقته بالقمار أكلت كل أمواله، وكان يعاني علاقة حب غير مشبعة، ويعاني صدمة وجودية عندما حكم عليه بالإعدام. عاش حياة كئيبة وفقيرة بسبب سوء إدارة المال وصالات القمار.
أما علاقته مع غرفة الروح فمقبولة لكنها غير كافية. كان متشائما فصدمة الحكم بالإعدام نسجت داخله خوفا أبديا من الحياة. للأسف كتب تحت وطأة الديون، وأحبَّ بخوف وتوجس.
ماذا لو جلس يوما قرب أنهار روسيا، وسمح للطبيعة أن تشفي صدمة الموت؟ لو تعالج من إدمان المقامرة بدلا من تبريره بالفلسفة؟ لو استثمر ماله من بيع “الجريمة والعقاب” في سفر واستجمام مع أسرته؟ لو مارس الموسيقى بدلا من الطاولة الخضراء؟ لو أحب نفسه كما أحبّ أبطاله المذنبين؟ لكان كتب “الإخوة كارامازوف” بروح تشكر الله لا تعاتبه، ولربما كتب فصلا جديدا عنوانه “النجاة” لا “الذنب”.
هنا نشهد خسرانه لأغلب غرف السعادة من غرفة الروح وغرفة الحب والجسد والمجتمع والمال، ولم تبق له إلا غرفة الثقافة. واحدة من ست كافية لبقائه ملقى على أرصفة الألم، وطرق المعاناة في غربة دائمة وبأفكار تقترب من التشاؤم والحزن والسوداوية.
أما الأديب الكبير كافكا فرغم كتاباته المؤثرة إلا أنه ظل مرتجفا من عقد علاقة مع حبيبته، علاقاته العاطفية كانت قلقة، دائم الهروب من الالتزام. وكأنه يعاني اضطراب الشخصية التجنبية التي من سماتها أنها تحبك لكنها كلما اقتربت منها تبتعد عنك وإذا ابتعدت عنها تقترب منك.
العلاقة مع تجنبي أشبه بانتحار ببطء. وهنا نشهد ما حدث لكافكا فقد سقطت منه غرفة الحب ولم يوفق في علاقة دائمة مع من أحبها. ولم يكن ميسورا. كان موظفا بسيطا في براغ، يعاني وساوس المرض، يرى نفسه غريبا عن العالم، يشعر باختناق اجتماعي.
ومن ذلك نستنتج خروجه من فندق السعادة؛ فقد سقطت منه غرفتان مهمتان: غرفة المجتمع وغرفة الجسد.
مسكين كافكا كتب عن المسخ لأنه كان يشعر بأنه لا يُرى، اقترب من الحب فرفضه وألقاه من البرج ليبكي على أطلاله.
والسؤال: ماذا لو جلس كافكا في مقهى براغ كل مساء وتحدث إلى الغرباء؟ لو مارس المشي بين الأشجار بدلا من الجلوس في الغرفة؟ لو شارك في نشاط تطوعي، أو أحب بسلام بدلا من حب ممزق بالذنب؟ لو وجد علاجا لقلقه، وتعلم التنفس لا التبرير؟ لكان كتب “التحوّل إلى إنسان”، لا “التحول إلى مسخ”، لكان عرف أن العالم ليس ضدّه، بل ينتظر أن يبتسم له.
لو كان بيدي لأعطيت كل واحد من هؤلاء الكبار “روشتة” نجاة لطريق السعادة، ولنجوا ولو بنصف سعادة من هذا التشاؤم الفائض في حياتهم وكتاباتهم.
أما الأديبة الإنجليزية فيرجينيا وولف، فكانت تحمل أوجاعا مختلفة حرمتها من كوكتيل الحياة وأخرجتها من فندق السعادة.
كانت تعاني صدمة معقدة من الطفولة، إضافة إلى أزمة هوية في الحب، إضافة إلى المرض النفسي، وشعور بالغربة المجتمعية.
فقد تعرّضت لصدمات في الطفولة، عانت اضطرابا ثنائي القطب، وأرهقها الذكاء والعزلة، وحين لم تجد اتزانا بين عقلها وقلبها، وضعت الحجارة في جيبها وسارت نحو النهر.
ونعود لذات التساؤل:
ماذا لو كانت لها صديقة تُنصت لا تُحلّل؟ لو وجدت في الكتابة علاجا لا هروبا؟ لو تعلمت أن تتوازن بالدواء والعلاج النفسي، بالضوء والغذاء؟ لو سافرت قليلا، غنّت، رقصت، نامت في حضن الطبيعة؟ لكانت كتبت “رحلة إلى النهر” كقصيدة حياة، لا كوصية انتحار. ولو فتحت غرفة الجسد والعلاقات والروح؛ لكانت أعظم كاتبة في تاريخ السعادة، لا في تاريخ الحزن.
ولو قمنا بوضع مقاييس غرف فندق السعادة على الشاعر الفرنسي العظيم بودلير، فهل سنجده مستوفيا لكل الغرف أم لعنة العبقرية أقصته من الدخول؟
إنه شاعر الجمال الملعون، عاش في اضطراب نفسي حاد، متعلقا بأمه، يعيش تناقضا بين اللذة والذنب.
كتب “أزهار الشر” كأنه يكتب صلاة من دخان.
فماذا لو جلس في مقاهي باريس، واحتسى القهوة مع المثقفين بدل الغياب في الأفيون؟ لو أدار تعلّقه إلى حبّ ناضج يمنحه الاتزان لا الحنين؟ لو اعتنى بجسده، وارتدى أناقته بروح فرِحة لا متعبة؟ لو كتب الشعر في الصباح، ومشى في شوارع باريس في المساء؟ لكان شاعر النور لا شاعر الظل. ولربما قال: “الجمال في الحياة لا في القبر”.
فما ضرّ بودلير لو عاش ثقافته في مقاهي “كان” أو سنت خوبيه أو تيلوز أو كاركاسون أو أي قرية نائية من الريف الفرنسي؟ وبدّل تعلقه بالأم بتعلق آمن بحبيبة تنعش فيه الحاضر بدلا من ماضي الجرح؟ وما ضرّه لو جعل شعره مالا كريما، وروحه صلاة جميلة، وجسده رشاقة تنبض، ومجتمعه دفئا يحتضنه بدلا من أن يخافه.
كانت باريس وكل المدن تنتظره لو فتح الأبواب، لكنّه آثر أن ينام في غرفة واحدة مظلمة، تسمى العبقرية بلا حياة.
هذه هي مشكلة بودلير بلا حب، بلا جسد، بلا مال ولا روح ولا مجتمع. اكتفى بغرفة الثقافة فمات حزينا.