السعادة بلا مال منقوصة، مهما حاولنا أن نزيّنها بالزهد أو الصبر أو الاعتكاف عن الدنيا.
فكرة أن المال هو كل شيء تُسقط الإنسان في جحيم الاضطراب النفسي، بحيث يصبح المال هوسًا وجنونًا وتعلّقًا مرضيًّا؛ وهنا يفقد الإنسان كل الغرف المهمة لاكتمال لوحة السعادة في “فندق السعادة”، فيقع هو ذاته في إشكالية الرأسمالية.
فلا سعادة في “فندق السعادة” بلا غرفة الثقافة، والروح، والجسد، والحب.
في المقابل، من يحاول أن يعتبر معادلة المال في الحياة شيئًا غير مهم، يسقط هو الآخر في جحيم العوز وعبودية الحاجة، وتبدأ الأمراض تفتك به، من اكتئاب وقلق عام، وأمراض متنوعة.
لاحظ أن عبادة المال وتسخيف المال كلاهما يقودان إلى الأمراض.
ومهما حاولت المواعظ أو الكلمات الطوباوية أن تزيّن للإنسان الفقر، وأن “أكثر أهل الجنة من الفقراء” – وهو حديث ضعيف – فإنها تبقى عملية التفاف وهروب إلى الأمام، وتحايلًا على واقع قاسٍ، لا يخلو من انتهازية وتزيين للفقر.
وبدلًا من التزيين، لا بد من دعوة الفقير إلى بذل المحاولات لتحسين وضعه، وتغيير رؤيته للفقر فكريًّا ونفسيًّا وعمليًّا، والعمل على التعليم، وتقليل الإنجاب، والدخول في فرص التغيير، مهما غابت العدالة الاجتماعية أو قلّت حقوق الإنسان في مجتمعه.الفقر ليس ملهمًا.
والزهد، حين لا يكون اختيارًا نابعًا من وفرة، ليس إلا هروبًا جميلاً من جحيم الواقع.
لقد آن الأوان لنهدم تلك الكذبة الرومانسية:
“العبقرية تُزهر في الجوع، والإبداع لا يليق به الغنى”.
الفقر يسرق الوقت.
الفقر يحطم التركيز.
الفقر لا يصنع فلاسفة، بل يصنع ناجين، يمارسون الفكر أحيانًا كتنفس أخير، لا كهواية فاخرة.
علينا توقيف تمجيد الفقر وان لا نجعله وشاحًا على الجراح.
الفقر لا يجعل أحدًا نبيلاً الا وانهكه، بل يجعل الانسان مرهقًا، ساخطًا، تائهًا بين الفكرة والواقع المر.
ابحث عن المال كما تبحث عن الحرية.
لأنه لا حرية في ديون، ولا فلسفة في جوع.
الغنى ليس عيبًا.
الغنى هو أن تشتري وقتك، صحتك، كرامتك، وأحيانًا، تشتري اللحظة التي تُبدع فيها دون ضغط.
أنا لا أروّج لعبادة المال، بل أطالب بإعادة الاعتبار لكرامة الإنسان عبر امتلاكه لوسائل العيش الكريم، وفي مقدمتها المال.
أنا لا أهاجم الزهد بوصفه سلوكًا شخصيًا، بل أرفض تحويله إلى أيديولوجيا تُفرض على الناس كدين أو فضيلة مفروضة.
كل ما أدعو له هو التمرد على تلك النظريات التي تسوق إلى أن الفقير أفضل حالاً من الغني، وأنه يعيش اطمئنانا وراحة بال، واستقرارا من أي أحد. هذا كلام غير دقيق. كلاهما يحمل أمراضا، لكن الاكثر استقرارا هو من يحافظ على غرفة المال ضمن غرف فندق السعادة الست بشكل متوازن ذهبي.
من زاوية نفسية: لماذا نحتاج المال؟
المال في علم النفس ليس ترفًا، بل وسيط للسيطرة والتحكم بالبيئة، كما وصفه “أبراهام ماسلو”.
يأتي المال مباشرة بعد الحاجات البيولوجية: الأمان، المأوى، الصحة، التعليم كلها لا تأتي بالمواعظ بل بالمصروف.
الطفل لا يفهم الزهد. الجائع لا يستوعب خطاب “الاستغناء”. والمقهور لا يرى الله في التقشّف، بل في “الفرج”.
الامام علي (ع )يقول:
“لو كان الفقر رجلاً لقتلته”
الدين لا يمجد الفقر ولكن بعض رجال الدين أسرفوا في تزيينه للحفاظ على التوازن النفسي للفقير او هروبا من الم الواقع ،والسياسي يزين الفقر لتكون عقول الفقراء إحدى الاوراق التي يلعب بها على طاولة قمار لعبة الحياة.
فالأديان السماوية لم تحرّم المال، بل حرّمت أن يتحوّل إلى صنم.
والأنثروبولوجيا الحديثة تقول: الإنسان لا يحتاج فقط إلى البقاء، بل إلى المعنى والقيمة.
والكرامة لا تتحقق في طابور صدقة، بل في قدرة الإنسان على الامتلاك والاختيار والتحرّر من الذل.
انا أجد شيئين هما أساسيان في ترسيخ الفقر للانسان؛ الأول غياب العدالة الاجتماعية والثاني كثرة الإنجاب وسوء الادارة . فكيف اذا كان الفقير بلا عدالة وايضا يكثر في الانجاب .
البعض يلجأ هروبا من الفقر الى الاعتزال تارة عن المكان بحيث يحيط نفسه بسياج إديولوجي منوم في عالم افتراضي يخرجه من سياق العالم المتحضر او يهرب لعزلة هروبا من اسئلة وجودية.
الاعتزال ليس حلا.
العزلة ليست بطولة، بل أحيانًا هروب مقنّع من مسؤولية المشاركة في إصلاح الواقع.
أن تنسحب لتصلي وتسبّح، وتترك الحياة، بحجة قسوة الحياة - ليس ورعًا، بل أنانية روحية.
الزاهد الذي يهرب من الحياة لا يحرّرها.
والحكيم الذي لا يمتلك المال لا يستطيع بناء مدرسة، ولا دارًا للأيتام، ولا حتى نشر كتاب.
فانا مع الحضور و البقاء في الحياة مهما كنت قاسية ولكن مع فن ادارتها بعقل ومنطق وتوازن روحي ومادي ومع عدم التفريط في الشغف ،فالسعادة منظومة متكاملة لا يمكن الغاء احد اركانها علي حساب الاخرى.
لا امتياز لغني على فقير ولا فقير على غني الا بما يمتلك الواحد منهم من توازن ذهبي في قراءة الحياة وممارستها بشكل صحيح. دعونا نكفّ عن تمجيد الفقر وكأنه صلاة، ونكفّ عن الشك في كل ميسور وكأنه إبليس.
فالعظيم فيهما هو الإنساني السعيد الذي يعيش كل الغرف بثقافة متنوعة ومتوازنة، وبقلب محب، و بروح عامرة بحب الله، وقيم الإنسانية، وبمال يقيه عن الحاجة، وبكوكتيل حياة.
لماذا خلقنا الله إن لم يكن لنتذوّق طيبات الحياة، ونبتسم، ونبني، ونحلم؟
ولماذا ندفن لذّات الحياة في مقبرة الأخلاق الزائفة؟
المال ليس شيطانًا. واللذّة ليست خطيئة.
فلنترك “الدروشة” لأصحاب الطرق،
ونمنح الإنسانيين مفاتيح فندق السعادة،
فهم أولى بالحياة وبغرفتها المُطِلّة على الشمس.
يقول الشاعر أمل دنقل:
“من قال أن الجوع كافر؟ بل الكفر أن ترى الجائع وتصفق للخطيب!”
ومن الجانب النفسي: يُشير مفهوم “سيكولوجية المال” (Psychology of Money) إلى أن المال ليس مجرد وسيلة تبادل بل يُشكّل علاقاتنا النفسية (هوية، أمان، قيمة ذات). فقد وُجد أن الأشخاص الذين يشعرون بأن لديهم كفاءة مالية أعلى (financial selfefficacy) يحصلون على شعور أكبر بمعنى الحياة.
على سبيل المثال، دراسة من جامعة إلينوي وجدت أن التفكير في المال عزّز العلاقة بين الوضع الاقتصادي المرتفع والشعور بأن الحياة لها معنى.
وأيضاً، المال المرتبط بالسيطرة على البيئة المحيطة يقلّل من القلق ويزيد الإحساس بالأمان النفسي.
لكن: ليس المال بحد ذاته هو كل شيء، بل كيف نتصرف به، ما قيمنا تجاهه، وهل نملكه أم يملِكنا.
2. من الجانب الاقتصادي والاجتماعي: دراسات الفقر أثبتت أن الفقر ليس مجرد غياب المال، بل يُضعف العلاقات الاجتماعية، المشاركة السياسية، والكرامة.
أنا هنا صريح جدا، طالما انتقدت الأغنياء في تأليه المال وطرحت عن التشبع الخاوي او التعاسة المرفهة او تصنيم المال، وكل ما أدعو إليه هو التوازن وفق الرؤية المتوازنة أن لا تمجدوا الفقر أو أن الحياة فانية، وأن النعيم فان، صحيح أن النعيم فان لكن الدنيا مهمة للانسان، ولا بد أن يعيشها بتوازن، وأن يسعى للدراسة والتعليم والعمل للحصول علي المال، ولو من باب أن ينجو من فخ الفقر و شباك العوز و جحيم المذلة .
هناك نظرية تسمى
نظرية الأمن الاقتصادي النفسي (Economic Security Theory)
باعتبار ان المال يوفر “أمانًا وجوديًا” للإنسان،وفي غيابه، ترتفع معدلات التوتر، الكآبة، والقلق الوجودي.
ووفق دراسات في علم النفس السلوكي: الفقر يجعل الفرد يعيش في حالة تأهّب دائمة، ما يؤثر على اتخاذ القرار والإبداع والانخراط الاجتماعي.
يقول فيكتور هوجو في “ “البؤساء” (Les Misérables)
“التقيت في الشارع بشاب فقير، كان عاشقًا. كانت قبعته قديمة، ومعطفه مهترئًا، وماؤه يتسرب إلى حذائه، لكن النجوم كانت تمرّ عبر روحه.”
كلنا نتذكر اولفير تويست في رواية تشارلز ديكنز ونحن نشاهد الطفل اليتيم تويست كيف تلعب به الحياة. كان تويست يسعي لتغيير حياته ولم يستسلم لقهر الوجود.
اتذكر مقولة لجورج أورويل
يقول فيها:
“الفقر مؤلم، ممل، ويجعل الإنسان خائفًا دائمًا من الغد.”
لذلك الفقر ليس خيارا ولا قدرا مهما سعى الى قهرنا يجب ان لا نوقف المحاولة.
يقول البيركامو:
“الحرية تبدأ عندما تنتهي الحاجة.”
و يقول إميل زولا:
“أكره تلك الروايات التي تُمجّد البؤس، كما لو كان نورًا مقدّسًا. البؤس ظلمة، والمهمة أن نحمل لها الضوء، لا أن نتأمله من بعيد.”
طبعا الاحصائيات مرعبة ،
يُقدَّر أن نحو 838مليون شخص يعيشون في حالة فقر متطرّف عام2022، أي نحو 10.5 % من سكان العالم، بعد تعديل البيانات وإعادة حسابها.
ونحو 44 % من سكان العالم (حوالي 3.5مليار شخص) يعيشون على أقل من 8.30 دولار أمريكي يومياً (خط الفقر للدول ذات الدخل المتوسط العليا).
لذلك اقول لا عليكم لمن يحاول جعل الفقر فضيلة، والاعتزال السلبي منقبة. فحتى عظماء التاريخ رغم عظمتهم إلا أن الفقر كان يحول دون إبداعهم، ويسقطهم في الامراض. فالقيمة الكبري في وجود المعني للحياة مع مال يقيك حاجة الناس.
ففريدريك نيتشه (Friedrich Nietzsche)
عاش في فقر شديد في نهاية حياته، وكان يعاني من المرض والوحدة، ومات دون أن ينال شهرة تذكر في حياته.
وسقراط (Socrates)
عاش زاهدًا في المال والمظاهر، وكرّس حياته للتعليم والتفكير، حتى حُكم عليه بالإعدام.
فهل تظن كان زهده عمليا؟ انا لا أراه حكيما في ذلك،
وأرى الفيلسوف باروخ سبينوزا (Baruch Spinoza) مخطئا في فهمه للبساطة، فقد
عاش حياة بسيطة وكان يشتغل في صقل العدسات للبقاء، ورفض المناصب التي عُرضت عليه حفاظًا على استقلاله الفكري.البساطة مهمة لكن لا تعارض ان تعيش مكتفياً وبحياة جميلة
اما جان جاك روسو (Jean-Jacques Rousseau)
فقد عانى من الفقر والاضطهاد والنبذ من المجتمع الباريسي رغم تأثيره الكبير على الفكر السياسي والاجتماعي.وبسبب فقره اضطر لرمي اولاده في ملجأ حكومي وهرب .خطأ روسو كان في تفكيره المبالغ في الثقافة، ونسيان بقية غرف فندق السعادة وكذلك المسؤولية في الحفاظ على العائلة.
اما شارل بودلير، شاعر الجمال “الملعون”، مات مفلسًا في رائحة اللامبالاة.
تمجيد الفقر في الأوساط الثقافية والفكرية ليس فلسفة، بل تخدير جماعي، ورومانسيّة سطحية لواقع مدمّر.لذلك نقدي للفلاسفة هو اهتزاز الرؤية بين فكر ذهبي وخطأ ادارة الواقع بما يتيح لهم حياة متوازنة متنوعة.
دعونا نكن صادقين،
دعونا نكفّ عن المغالطة.
الفقر ليس طُهرًا.
الفقر ليس إلهامًا.
الفقر خنقٌ بطيء، قيدٌ لليدين، حبلٌ يلفّ عنق العقل حتى يُخرس صوته قبل أن يولد.
لهذا أنا أدعو إلى الاهتمام بغرفة المال ضمن غرف فندق السعادة الست لحياة أكثر راحة بال واطمئنانا وسعادة.