يُطلق عليه في بعض البلدان الإسلامية “العيادة” التي تتولى مهماتها في علاج القلوب من “صدأ” الذنوب والخطايا والآثام إلى أجواء الرحمات والخيرات والنعائم التي يظل فيها – هو - المكان الخالد في تغيير أحوال الإنسان من فضاءات التّعاسة والشقاء إلى حمائم الفرح والسرور، وصولاً إلى كينونة الأبرار في دروس التربية على التآخي والمساواة بين الغني والفقير وبين العبد والسّيد وبين الملِك والخادم وبين العالم و”الجاهل”، دون تباين أو فرق إلا على معيار تقوى الربّ الجليل، فيما تحفّها – في الأثناء – دُرر التكاتف والتضامن في الغُدّو والرّواح والحلّ والترحال والانشغال والتفرّغ وسط تجامع القلوب والأفئدة على التراحم والاحترام، والتعاطف والوقار، والسكينة والطمأنينة.
يتفوق المسجد – باعتباره مؤسسة تربوية وتعليمية عظيمة سبقت في وقتنا الحاضر ما يُعرف بالمدارس والمعاهد والجامعات وغيرها – على جميع الهيئات واللجان التي أنشأها الإنسان في أرجاء المعمورة، في مسألة توليه مهمات الإصلاح - للفرد والمجتمع على حدّ سواء - على اختلاف أعمار البشر وأجناسهم وأشكالهم وأصولهم ومشاربهم وفق منهاج تربوي إيماني متكامل – دون اقتصار على أداء الصلوات الخمس المكتوبة - بعد أنْ أرسى دعائم الإصلاح القويم وقواعد الصلاح السديد في مختلف حواضر الإسلام – قديمًا وحديثًا – وتخليص النَّفس البشريَّة من العبوديَّة والتَّذلُّل وتجريدها من علائق الدُّنيا وصغائر أمورها، فضلًا عن تدارس الكتاب الكريم وحفظه وتعلُّم علومه وإقامة دروس الوعظ وحلقات الإرشاد وفق مضامينه في حلِّ مشاكل الخصوم ومنازعاتهم، علاوة على صناعة الرجال التُّقاة والمُصلحين الهُداة إلى حيث تسمو النُّفوس وتذوب الفوارق وتُنشر المعارف بين الصفوف.
نافلة:
هذه المؤسسة العظيمة، قد تعكّر صفوها – بين الفينة والأخرى - سلوكيات منفرة أو تصرّفات مُستهجنة تكررت جهلًا أو عمدًا أفسدت متعة الحضور الخاشع، ما استلزم خطة “إنقاذ” عنائية ورعوية؛ كي تستعيد دورها المُناط ورونقها المعهود بعد أنْ كان بعضهم يضع أحذيته على (فمّ) باب المسجد، أو يُقفل ويُعيد فتح أجهزة التكييف والمراوح والنوافذ دون استئذان بحجة برودة المكان، أو يطفئ الإنارة بعد انتهاء الصلاة دون مراعاة لباقي المصلين، أو يقوم بـ (تمشيط) أعداد المصلين بنظره يمنة أو يسرة أو للخلف، أو يُطلق العنان لنغمات هاتفه، أو يرفع صوته كمأموم خلف الإمام، أو يحجز مكان صلاته بسجادة أو كرسي أو غيره خلافًا لأحقية الأسبقية، كما قد تجد (تحلّقه) في مجموعات قبل الصلاة أو بعدها داخل المسجد وهو يتخطّى الصفوف الممتلئة، بل ويذهب بجوارب متسخة وملابس نوم وألبسة قصيرة محشوة بكتابات ورسومات أجنبية.
*كاتب وأكاديمي بحريني