+A
A-

قادة الطاقة: التوترات الجيوسياسية تعيد تشكيل أسواق النفط وتفرض مسارات جديدة على الاستثمار

أكد خبراء ومسؤولون من كبرى شركات الطاقة العالمية، في إحدى جلسات المؤتمر والمعرض الدولي للتكرير الذي عقد في البحرين، أن التحولات الجيوسياسية الراهنة أصبحت عنصرا أساسيا في إعادة تشكيل خريطة تجارة النفط والغاز، ودفعت الشركات والحكومات إلى إعادة النظر في استراتيجيات الاستثمار والتوسع، في وقت يشهد فيه القطاع تحديات متزامنة تتعلق بالاستدامة وأمن الإمدادات.

قال النائب التنفيذي للرئيس للمنتجات والعملاء في أرامكو السعودية ياسر مفتي إن العالم سيظل في حاجة إلى النفط لعشر سنوات مقبلة على الأقل، مشيرا إلى أن الحديث عن “تجاوز النفط” غير واقعي في ضوء استمرار النمو في الطلب. وأكد أن التركيز يجب أن ينصب على إزالة الكربون وتطوير الحلول التقنية، بدلاً من إقصاء مصادر الطاقة التقليدية.

وأضاف أن مرونة الشركات العالمية تقاس بقدرتها على تنويع الأسواق والمنتجات مع الحفاظ على انضباط مالي يضمن الاستمرار في مواجهة دورات السوق. وأوضح أن أرامكو رفعت المحتوى المحلي في سلاسلها التشغيلية إلى نحو 67 %، ما مكّنها من تعزيز أمن الإمدادات وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع موردين وعملاء حول العالم. وبيّن أن هذه الاستراتيجية تتيح للشركة مواصلة دورها في تأمين الطاقة للأسواق العالمية رغم التوترات الجيوسياسية.

من جانبه، قال الرئيس التنفيذي للعمليات للإمداد والتجارة في شركة ريلاينس للصناعات المحدودة سرينيفاس توتاغونتا ، إن التوترات الجيوسياسية تضاعف الضغوط على صناعة التكرير التي تواجه أصلاً تحديات متسارعة من ناحية التشريعات والرقمنة والتحول نحو الطاقة النظيفة. وأكد أن الهند تعتمد على الاستيراد لتلبية أكثر من 80 % من احتياجاتها النفطية، وهو ما يجعلها من أكثر الدول تأثراً بتقلبات الأسواق والأزمات العالمية. وأوضح أن الحل يكمن في تعزيز الاحتياطيات النفطية القريبة من الأسواق المحلية، إلى جانب تسريع التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة. وكشف أن الهند وضعت هدفاً للوصول إلى 500 غيغاواط من الطاقة المتجددة بحلول عام 2030، وقد قطعت بالفعل نصف الطريق نحو تحقيق هذا الهدف، ما يعكس الجدية في تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الواردات النفطية.

وأشار توتاغونتا إلى أن تكاليف النقل البحري والتقلبات في الشحن العالمي تعد من أبرز التحديات التي فرضتها الأزمات الجيوسياسية الأخيرة، مشدداً على أن التعاون الإقليمي وتعزيز البنية التحتية المحلية يمثلان جزءاً من الحل.

أما  رئيس التداول العالمي والأعمال الدولية في رونغشنغ للبتروكيميائيات الصينية لي شينخوا  فقد وصف التوترات الجيوسياسية بأنها السبب الرئيسي في انقسام سوق النفط العالمي إلى سوقين وهما سوق للبراميل التقليدية وسوق لما أسماه “البراميل الحساسة”، في إشارة إلى الإمدادات المتأثرة بالعقوبات أو النزاعات التجارية.

وأوضح أن هذا الانقسام أدى إلى اضطراب تدفقات الخام وضعف الثقة في الأسعار المرجعية، مشيراً إلى أن بلاده شهدت انخفاضاً كبيراً في وارداتها من الخام الأميركي منذ أبريل الماضي نتيجة النزاعات التجارية، ما ألقى بظلاله على صناعة التكرير الصينية.

وكشف شينخوا أن شركته تدير واحداً من أكبر المجمعات المتكاملة في الصين بطاقة تخزين تصل إلى 5.3 مليون متر مكعب، مع خطة للتوسع إلى 9 ملايين متر مكعب، مؤكداً أن هذه القدرات تعزز مرونة الشركة في مواجهة الأزمات. كما شدد على أن الشراكة مع المملكة العربية السعودية تُعد ركيزة أساسية في أمن الطاقة الصيني، كونها توفر إمدادات مستقرة وموثوقة.

وفي الجلسة التي أدارها  كبير الخبراء الاقتصاديين العالميين في إس آند بي غلوبال كوموديتي إنسايتس بول غرونفالد ، خلصت إلى أن التوترات الجيوسياسية لم تعد مجرد عامل مؤقت في السوق، بل تحولت إلى عنصر هيكلي يعيد تشكيل السياسات الاستثمارية وخطط الطاقة. وأكد المتحدثون أن الحل يكمن في تعزيز المرونة الاستثمارية، وبناء شراكات طويلة الأمد، وتبني حلول رقمية ومستدامة تضمن استقرار أسواق الطاقة وتدعم أمنها على المدى الطويل.