منذ سقوط نظام بشار الأسد في دمشق نهاية العام الماضي، أضحت سوريا ساحة صراع إسرائيلي تركي على النفوذ. وفي حين بسطت إسرائيل سيطرتها غير المباشرة على الجنوب السوري بدعم الجهات الفاعلة من غير الدول التي تنتمي للأقلية الدرزية، علاوة على الضربات الجوية شبه المنتظمة، كرست تركيا نفوذها شمالي البلاد بدعمها الفصائل السنية والجماعات التركمانية، وخلقت واقعًا جديدًا في تلك المناطق أشبه بحكم المقاطعات، بتداول عملتها الليرة، وإدراج مناهج تعليمية موالية لأنقرة.
وبينما تتطلع تركيا، وهي من الداعمين لاستقرار الحكومة الحالية، إلى الحصول على امتيازات استراتيجية، بما في ذلك قواعد عسكرية، تسعى إسرائيل لإنشاء منطقة عازلة في الجنوب تخضع لسلطة محلية موالية لها، واللعب على توازنات دقيقة بإضعاف الحكومة الحالية مع تجنب سقوطها خشية وصول جماعات أكثر تطرفًا للسلطة، وذلك لإبعاد أية تهديدات مستقبلية عنها.
مؤخرًا، سار البلدان على مسار تصادمي في سوريا دون أن يتوصلا إلى تفاهمات واضحة عندما جلسا معًا على طاولة واحدة في أذربيجان خلال أبريل الماضي. ومع تراجع نفوذ إيران وصعود إسرائيل وتركيا في المنطقة، فإن المنافسة محتدمة بين تل أبيب وأنقرة، ولكن السؤال كيف ستتم إدارة المواجهة: بالسلم أم الحرب؟ وفي هذا الإطار، يقول الخبير تريتا بارسي، وهو المؤسس المشارك ونائب الرئيس التنفيذي لمعهد كوينسي لفن إدارة الدولة المسؤول، “إن إسرائيل بدأت تلتفت إلى الدولة التالية التي يجب إخضاعها لتحقيق الهيمنة العسكرية في الشرق الأوسط، أي تركيا”.
وبحسب التحليل الذي كتبه بارسي مؤخرًا، فإن فالعقيدة الإسرائيلية لا تقوم على التوازن بل على السيطرة، وفق تعبيره.
وعلى وقع التنافس الإقليمي، تطورت الخلافات بين إسرائيل وتركيا خلال الأيام الأخيرة عقب اعتراف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالإبادة الجماعية للأرمن من قبل الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وهو ما دفع تركيا إلى الإعلان عن قطع العلاقات التجارية مع إسرائيل ومنع تحليق الطائرات الإسرائيلية فوق الأجواء التركية.
كل تلك المؤشرات دفعت المراقبين إلى رسم سيناريوهات خطيرة، بما في ذلك الانزلاق نحو مواجهة عسكرية مباشرة بين إسرائيل وتركيا على الأراضي السورية.
وللإجابة على هذا التساؤل، تحدثت إلى الخبير الإسرائيلي المتخصص في الشؤون العسكرية والاستخباراتية، يوسي ميلمان، وهو كاتب عمود مخضرم بصحيفة “هآرتس” ذات الميول اليسارية، والذي استبعد تلك الفرضية.
يقول لي ميلمان إن “أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والتركية تتجسس على بعضها البعض وتتابع التطورات في سوريا”، وهذه المعادلة الجديدة، وفقًا للكاتب الإسرائيلي الشهير، جاءت أصلًا في سياق علاقات وصلت “لأدنى مستوى لها” بين البلدين بسبب الحرب في غزة و”إيواء تركيا قادة حماس الجدد بدلًا من الحرس القديم الذين تمت تصفيتهم على يد إسرائيل”.
ومن المهم الإشارة إلى أنه رغم العلاقات المتوترة، بحسب ميلمان، فإن “الموساد” و”MIT” (الاستخبارات التركية) لا يزالان يتعاونان عند المصلحة المشتركة، مثل الجهود الإيرانية لاختطاف وقتل إسرائيليين ويهود على الأراضي التركية، كما حدث قبل نحو عامين.
المؤكد أن أولوية إسرائيل الآن هي إضعاف إيران أكثر وتحييد أي خطر يأتي من طهران ووكلائها بالمنطقة على حساب فتح جبهة جديدة مع تركيا؛ فإسرائيل “لديها ما يكفيها من الجبهات المفتوحة، وليست لديها أية نية للتصعيد مع أنقرة، بل إنها ستبذل كل ما في وسعها لتجنب مواجهة عسكرية”، حسبما يقول ميلمان.
وباعتقادي، فإنه لا يمكن استبعاد احتمال المواجهة العسكرية في سوريا بشكل كلي، لكن ربما تكون مؤجلة لما بعد حسم الصراع الوجودي مع طهران، بحيث قد يستفيد منها نتنياهو كورقة جديدة للبقاء في الحياة السياسية، تمامًا كما وظف لصالحه حرب غزة والمعركة مع إيران التي قد تتجدد خلال أية لحظة.
وفي غضون ذلك، ستبقى دمشق عاجزة عن بسط سيادتها على كامل ترابها في ظل صراع النفوذ الإسرائيلي التركي المتنامي. والأخطر من ذلك أن هذا الوضع البائس في سوريا قد يتحول إلى نموذج بالمنطقة: دول مفككة، منقسمة وضعيفة يسهل التدخل فيها.
كاتب بحريني