
حين نستعرض مسار العلاقات المصرية البحرينية، فإننا أمام جذور راسخة شكّلها تاريخ طويل من التعاون والمحبة بين شعبين شقيقين منذ عام 1919، عندما أسس مصريون مدرسة في البحرين.
وفي عقود لاحقة، شهدت البحرين تفاعلًا رسميًّا وشعبيًّا واسعًا مع القضايا القومية العربية، تمثل بالدعم المادي والمعنوي القوي للمجهود الحربي المصري؛ حين عبَّر البحرينيون عن مواقفهم المشرفة المؤيدة للجيش المصري، في مشهد يؤكد عمق الروابط الوجدانية سواء في السلم أو الحرب.
وبعد أن نالت البحرين استقلالها عن بريطانيا عام 1971، كانت جمهورية مصر العربية الشقيقة من أوائل الدول التي اعترفت بالبحرين، وهو موقف محفور في الذاكرة الوطنية البحرينية، ويؤكد أن القاهرة تعتبر المنامة امتدادًا للقومية العربية الواحدة.
وعلى مدى العقود الماضية، تميزت العلاقة بين المنامة والقاهرة بكونها مبنية على ثقة متبادلة ودعم كل طرف للآخر في مختلف المحافل العربية والدولية، حيث كانت البحرين تقف بثبات مع قضايا مصر المصيرية، في مقابل وقوف مصر إلى جانب البحرين في محطات مفصلية من التاريخ.
إن مصر دولة محورية لا يمكن الاستغناء عنها؛ فهي قلب الأمة العربية النابض ومظلتها الجامعة، والدولة الرائدة في قيادة عمل عربي مشترك وقف في وجه التحديات وساهم في تعزيز التنسيق والتعاون بين الأشقاء.
ومن هذا المنطلق، أرسى صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البحرين المعظم، هذه القواعد منذ توليه السلطة في عام 1999، حين تطورت العلاقات بين البلدين في مختلف المجالات لتصل في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى مستوى غير مسبوق من التنسيق السياسي والتعاون الأمني والاقتصادي، وحتى في الثقافة والفنون والرياضة.
وعلى المستوى العسكري، فإن القاهرة والمنامة تتحركان في مسار استراتيجي واحد يهدف إلى حماية الأمن القومي العربي ومواجهة التدخلات الخارجية، والتصدي للإرهاب والفكر المتطرف. ويتجسد ذلك بمشاركة القوات البحرينية إلى جانب نظيرتها المصرية في عدد من التمارين والمناورات المشتركة، مما أسهم في تعزيز هذا التعاون الدفاعي.
كذلك، لا يمكن الحديث عن العلاقات بين البحرين ومصر دون التطرق إلى روابط الشعبين التي لا تقل عمقًا عن العلاقات الرسمية؛ فالمصريون الذين عاشوا في البحرين منذ عقود ساهموا في مسيرة التعليم والصحة والثقافة، وأصبحوا جزءًا من النسيج الاجتماعي البحريني. كما أن البحرينيين الذين درسوا في الجامعات المصرية -وأنا منهم- حملوا معهم تجربة معرفية تركت بصمة واضحة في مسيرة وطنهم، مما بنى جسورًا إنسانية شكلت رافدًا مهمًّا لتقوية الروابط بعيدًا عن حسابات السياسة.
واليوم، تأتي الزيارة التاريخية لصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، إلى مصر لتضع العلاقات بين البلدين في أفق جديد كليًّا من خلال إبرام مذكرات التفاهم والاتفاقيات المشتركة في مجالات عدة، بما يعزز من أواصر هذه العلاقات التاريخية ويزيدها رسوخًا.
ويبدو أن هذه المرحلة المستقبلية تحمل عنوانًا بارزًا هو الاقتصاد؛ فالبحرين ترغب في رفع حجم التبادل التجاري مع مصر إلى مليار دولار -بحسب تصريحات رسمية-، ما يعكس متانة العلاقات وصلابتها عبر التاريخ.
إن هذه الخطوة ليست مجرد رقم عابر؛ بل هي انعكاس لإرادة سياسية واعية ترى أن العلاقات البحرينية المصرية يجب أن تنتقل من إطار التنسيق السياسي إلى شراكات عملية ملموسة تشمل قطاعات اقتصادية مثل الصناعة والاستثمار والسياحة، وهو ما يعكس إدراك سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء بأن الاقتصاد بات سلاحًا أساسيًّا لتقوية العلاقات الخارجية وبناء جسور متينة بين البحرين والعالم، بما يعزز من مسيرة التنمية ويعود بالنفع على الداخل البحريني.
إن المستقبل الذي يرسمه قادة البحرين ومصر اليوم هو مستقبل يليق بتاريخ هذه العلاقة الضاربة في جذور التاريخ، ويتوج مسيرة تاريخية بدأت منذ عام 1919 حتى أصبحت هذه العلاقة نموذجًا يُحتذى به في العمل العربي المشترك... علاقة صلبة ثابتة لم تهتز بأي تحولات ولا تقلبات.
كاتب بحريني