مما لا شك فيه أنّ الجرائم المالية لم تعد كما كانت في العقود السابقة محصورة في أشكالها التقليدية، كالتزوير أو النصب أو الاختلاس، بل أخذت في العصر الرقمي أبعادًا جديدة ومعقدة، بحيث صار المال في صورته الإلكترونية عُرضة لاعتداءات لا تقل خطورة عن الاعتداءات المادية المباشرة.
وإذا كان الاقتصاد الرقمي قد فتح آفاقًا رحبة للتبادل التجاري وللاستثمار، فإنه في الوقت ذاته أتاح بيئة خصبة لظهور جرائم مالية مستحدثة تمس الأفراد والمؤسسات، وتهدد استقرار الاقتصاد الوطني والإقليمي. وقد صارت هذه الجرائم مرتبطة بتقنيات حديثة تتطور بوتيرة أسرع من قدرة التشريعات على ضبطها، الأمر الذي جعلها من أخطر التحديات التي تواجه المنظومات القانونية والاقتصادية في العالم العربي والخليجي على وجه الخصوص.
جرائم الأموال في العصر الرقمي تشمل كل سلوك غير مشروع يستهدف المال أو يعرضه للخطر من خلال وسائل تقنية. فهي تبدأ من الاحتيال الإلكتروني البسيط عبر البريد الإلكتروني أو الرسائل النصية، مرورًا بالاستيلاء على بيانات بطاقات الائتمان، وصولًا إلى جرائم غسل الأموال التي تُدار عبر العملات المشفرة ومنصات التداول العالمية. وهناك أنماط جديدة آخذة في الانتشار مثل الاحتيال عبر الذكاء الاصطناعي وتزييف الهوية الرقمية، واستخدام منصات الألعاب الإلكترونية أو المحافظ الافتراضية كغطاء لعمليات مشبوهة.
ولعل أبرز سمات هذه الجرائم أنّ مرتكبيها غالبًا ما يتحركون عبر الحدود، مما يصعّب ملاحقتهم ويجعل المواجهة التشريعية تتطلب تعاونًا دوليًا وإقليميًا يفوق حدود الدولة الواحدة.
لقد أدركت دول مجلس التعاون الخليجي خطورة هذه الجرائم مبكرًا، فسنت قوانين متقدمة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والجرائم الإلكترونية.
ففي البحرين صدر قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب رقم (4) لسنة 2001 وتعديلاته، وهو من التشريعات الرائدة في المنطقة، حيث ألزم المؤسسات المالية بالإفصاح عن المعاملات المشبوهة، وربط بين الجانب الجنائي والرقابي لحماية النظام المصرفي. كما أن البحرين أصدرت قوانين متصلة بالجرائم الإلكترونية، وهو ما عزز سمعتها كمركز مالي إقليمي قادر على حماية نظامه من الانتهاكات. وفي سلطنة عمان جاء المرسوم السلطاني رقم 30 لسنة 2016 بإصدار قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهو قانون متكامل نص على إنشاء لجنة وطنية، وألزم البنوك وشركات التمويل بالإبلاغ عن العمليات المريبة، مع فرض عقوبات رادعة تصل إلى الحبس والغرامة المشددة.
أما في المملكة العربية السعودية فقد صدر نظام مكافحة غسل الأموال وتعديلاته عام 2017، ونظام مكافحة الجرائم المعلوماتية عام 2007، وكلاهما شكّلا منظومة قوية لحماية الاقتصاد الرقمي، خصوصًا مع التحولات الكبرى التي تشهدها السعودية في إطار رؤية 2030. وفي الإمارات عُرف النظام القضائي بتشديده على قضايا غسل الأموال، حيث صدر القانون الاتحادي رقم 20 لسنة 2018 في شأن مواجهة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل التنظيمات غير المشروعة، إلى جانب قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية الذي عالج بدقة صور الاحتيال المالي عبر الشبكات. وفي قطر والكويت أيضًا صدرت قوانين مشابهة تتسق مع معايير مجموعة العمل المالي (FATF)، بما يعكس التزام المنطقة بالتعاون الدولي والحرص على تجنيب أنظمتها المالية أي شبهات قد تؤثر على تصنيفها الائتماني أو سمعتها الاقتصادية.
أما في مصر، فقد صدر قانون مكافحة غسل الأموال رقم 80 لسنة 2002 وتعديلاته، وأنشئت وحدة خاصة بالبنك المركزي لمتابعة حركة الأموال، وهي تجربة رائدة في المنطقة العربية. كما أدخل المشرع المصري تعديلات متكررة على قانون العقوبات وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات لملاحقة صور الاحتيال الرقمي. وفي تونس سُنّ قانون مكافحة غسل الأموال سنة 2015 متماشيًا مع المعايير الدولية، غير أن التطبيق العملي ما زال يواجه تحديات تتعلق بضعف الإمكانيات التقنية. أما المغرب فقد اتخذ خطوات واسعة في السنوات الأخيرة لتعزيز الرقابة على التحويلات المالية المشبوهة، وأقر قوانين جديدة تتعلق بحماية المعاملات الإلكترونية. وفي الأردن ولبنان، صدرت تشريعات مشابهة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، لكن بعض الفجوات التشريعية تظل قائمة، خصوصًا في مجال العملات الرقمية والجرائم العابرة للحدود.
ورغم هذا التطور التشريعي، تواجه الدول الخليجية والعربية تحديات عملية بارزة، لعل أبرزها الطبيعة العابرة للحدود لهذه الجرائم، إذ قد يرتكب الجاني فعله في دولة وتظهر نتائجه في أخرى، مما يعقد مسألة الاختصاص القضائي. كما أنّ صعوبة تعقب العملات المشفرة مثل البيتكوين وغيرها تخلق بيئة مثالية لغسل الأموال بعيدًا عن الرقابة المصرفية التقليدية. ويضاف إلى ذلك ضعف الوعي المجتمعي لدى الأفراد حول أساليب الاحتيال الرقمي، حيث يقع كثير من الناس ضحية لرسائل وهمية أو استثمارات افتراضية مزيفة. أما التحدي الأبرز فهو الحاجة للتخصص التقني في أجهزة إنفاذ القانون، فهذه الجرائم تتطلب خبرة سيبرانية عالية لا يمكن مواجهتها بالوسائل التقليدية.
إنّ الجرائم المالية في العصر الرقمي تترك آثارًا سلبية مباشرة على الاقتصاد الوطني؛ فهي تُزعزع الثقة في النظام المصرفي وتضعف جاذبية الدولة للاستثمارات الأجنبية، كما تُرهق الموازنات العامة بضرورة تخصيص موارد ضخمة لمواجهتها. والأخطر أنّ هذه الجرائم تخلق اقتصادًا موازيًا غير مشروع ينافس الاقتصاد الرسمي ويؤثر على قدرته في النمو. ولعل تقارير صندوق النقد الدولي تشير بوضوح إلى أن الدول التي تعاني من ضعف في مكافحة غسل الأموال تكون عرضة لانخفاض تصنيفها الائتماني، وهو ما ينعكس سلبًا على كلفة الاقتراض وعلى قدرة الدولة في تمويل مشاريعها التنموية.
ولعل من الأبعاد المهمة كذلك أنّ هذه الجرائم لا تمس الجانب المالي فحسب، بل تؤثر في الأمن الوطني والاستقرار الاجتماعي، إذ تُستخدم بعض عوائدها في تمويل أنشطة غير مشروعة أو إرهابية، وهو ما يجعلها في نظر القانون جريمة اقتصادية وأمنية في آن واحد. ومن ثم، فإن التصدي لها ليس خيارًا تشريعيًا فحسب، بل ضرورة وجودية لحماية الدولة والمجتمع.
إن مواجهة جرائم الأموال في العصر الرقمي لا يمكن أن تنجح في ظل الجهود الفردية لكل دولة بمعزل عن الأخرى، بل تحتاج إلى تنسيق تشريعي وأمني إقليمي. وهنا يمكن لدول الخليج، بما لها من تجربة رائدة، أن تبادر إلى إطلاق إطار قانوني موحد لمكافحة الجرائم المالية الرقمية، يضمن تبادل المعلومات والتحقيقات وتوحيد المعايير الإجرائية، أسوة بالتجربة الأوروبية التي أنشأت وكالة خاصة بتنسيق جهود مكافحة غسل الأموال. إنّ مثل هذا التعاون لا يحمي الاقتصادات الخليجية فحسب، بل يحمي المواطن أيضًا من أن يصبح ضحية سهلة لهذه الجرائم.
ومع أهمية مكافحة هذه الجرائم، يجب ألا تتحول التشريعات إلى أداة لانتهاك الحريات الفردية أو التضييق على الابتكار المالي، خصوصًا مع انتشار “الفينتك” والخدمات المصرفية الرقمية. ومن ثم فإنّ التحدي يكمن في إيجاد توازن دقيق بين حماية النظام الاقتصادي من الجرائم، وبين ضمان حق الأفراد في الخصوصية وحرية استخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة. ولا ريب أنّ هذا التوازن لا يمكن أن يتحقق إلا عبر تشريعات مرنة قابلة للتطوير، تراعي في الوقت ذاته المعايير الدولية والخصوصيات المحلية.
رؤية قانونية
إذ نتأمل في المشهد التشريعي العربي والخليجي، نجد أنّ الخطوة المقبلة ينبغي أن تقوم على توحيد القواعد القانونية لمكافحة جرائم الأموال الرقمية، عبر إصدار قانون إطاري خليجي–عربي يحدد التعريفات الموحدة للجريمة، ويضع آليات للتعاون القضائي وتبادل الأدلة الرقمية. كما أن هناك حاجة ملحة لإنشاء محاكم أو دوائر متخصصة في الجرائم الاقتصادية والرقمية، قادرة على استيعاب التعقيد الفني لهذه القضايا.
ولا ريب أنّ البحرين، بما تملكه من بنية مالية متطورة، وسلطنة عمان بما تبنته من إصلاحات قانونية، والسعودية والإمارات بما حققتاه من تقدم في الرقمنة، جميعها قادرة على قيادة هذا المشروع العربي المشترك. إنّ جرائم الأموال في العصر الرقمي تهدد جيب المواطن وأمن الاقتصاد معًا، ولا سبيل لحمايتهما إلا بقوانين متطورة، وأجهزة إنفاذ مدربة، وتعاون إقليمي ودولي متكامل.
* مستشار قانوني مصري مقيم في عُمان