
مما لا شك فيه أن القانون هو الأداة التي تصوغ بها الدول أنظمتها، وتبني من خلالها مؤسساتها، وتضبط بها علاقات الأفراد ببعضهم وبالسلطة العامة. وإذ كان المبدأ الراسخ أن “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص”، فإن النص القانوني كان دومًا حجر الزاوية في إقامة العدل، وتحقيق الأمن، وصيانة الحقوق غير أن التوسع في التشريع إلى حد الإفراط، أو ما يُعرف اصطلاحًا بـ”التضخم التشريعي”، قد أصبح ظاهرة تثير تساؤلات عميقة حول العلاقة بين عدد القوانين ومدى تحقيق العدالة وفعالية النظام القانوني.
فهل تعني كثرة القوانين مزيدًا من العدالة وتخدم الاقتصاد؟ وهل تُنتج الغزارة التشريعية بيئة قانونية أكثر استقرارًا؟ أم أن الأمر قد يكون عكس ذلك تمامًا، حيث تتحول النصوص الكثيرة إلى متاهة تشريعية تُربك المتقاضي، وتثقل كاهل القاضي، وتفتح أبواب التلاعب القانوني؟
النص عبء
في كثير من الدول العربية، بما فيها البحرين ومصر وسلطنة عُمان، نشهد تراكمًا تشريعيًّا هائلًا عبر العقود فالقوانين تصدر بوتيرة متسارعة، وتتزاحم في مجالات متقاربة، أحيانًا دون تنسيق أو إلغاء ما تقادم منها، مما يؤدي إلى ازدواجية النصوص وتعارضها في بعض الأحيان.
بل إن بعض القوانين تبقى سارية رغم عدم تطبيقها فعليًّا، مما يخلق بيئة قانونية مشوشة فالمحامي يواجه صعوبة في تحديد القانون الأنسب، والقاضي قد يجد نفسه بين نصين متناقضين، والمواطن قد يجهل أساسًا ما إذا كان فعله مباحًا أو محظورًا.
تجربة البحرين
في مملكة البحرين، يمكن القول إن البيئة التشريعية تطورت بشكل واضح خلال العقدين الماضيين، مع إصدار العديد من القوانين الاقتصادية والاستثمارية، غير أن التوسع في التشريع لم يواكبه دومًا تعديل أو إلغاء للنصوص السابقة فبعض القوانين ما زالت سارية رغم تقادمها، وبعضها الآخر يُعدّل دون نشر توضيحي كافٍ، مما يربك الفهم القانوني.
ومع أن المملكة اتخذت خطوات نحو توحيد المرجعيات القانونية، إلا أن الحاجة ملحة اليوم لمراجعة شاملة للمخزون التشريعي وتنقيته من النصوص المهجورة أو المتكررة.
سلطنة عُمان
تُعد سلطنة عُمان من الدول التي تمتاز ببنية قانونية هادئة نسبيًّا، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت إصدار عدد كبير من المراسيم السلطانية والقوانين الجديدة، خصوصًا في مجالات الاستثمار والتقاضي والإعلام والعمل والضريبة هذه الحيوية التشريعية ضرورية لمواكبة الرؤية الاقتصادية الطموحة للسلطنة، لكنها تتطلب كذلك رؤية منهجية لضبط النسق التشريعي، وتلافي التضخم القانوني.
وقد بدأت وزارة العدل والشؤون القانونية بالفعل في إصدار نسخ محدثة من القوانين، ومراجعة شاملة للتشريعات، وهو توجه محمود، لكنه بحاجة إلى استدامة وتوسيع نطاقه ليشمل المراسيم المتناثرة التي تنظم موضوعات متقاربة.
مصر
في مصر، يُعد التضخم التشريعي أحد أبرز ملامح البيئة القانونية فخلال سنوات قليلة، صدرت مئات القوانين واللوائح، أضيفت إلى مخزون تشريعي يزيد عن 3 آلاف قانون سارٍ ويعاني المتقاضون من تضارب القوانين، واختلاف المعايير، بل وتكرار بعض النصوص في أكثر من قانون دون مبرر.
وقد شهدت مصر محاولات متكررة لـ”تنقية” المنظومة القانونية، كان آخرها إعلان الحكومة عن مشروع “مجلد تشريعي موحد”، إلا أن هذه الجهود لم تكتمل حتى اليوم الأمر الذي يطرح سؤالًا صريحًا: هل نحن بحاجة إلى مزيد من القوانين، أم إلى قوانين أفضل وأبسط وأكثر وضوحًا؟
السعودية والكويت
في المملكة العربية السعودية، ورغم أن البيئة القانونية شهدت تطورًا جذريًّا في العقد الأخير، إلا أن التوسع في إصدار الأنظمة واللوائح بات يخلق حاجة ملحّة لإعادة ترتيب المنظومة القانونية، وتبسيطها، وإلغاء ما لم يعد يُعمل به وقد اتجهت المملكة في السنوات الأخيرة إلى نشر “القوانين الموحدة” في المجالات المدنية والتجارية، وهو توجه جدير بالمتابعة.
أما الكويت، فهي من الدول التي عانت من “التشريع المتراكم” لسنوات، خاصة في ظل بطء حركة التشريع في البرلمان، وتكدس النصوص القديمة وتبرز الحاجة هناك إلى مراجعة شاملة وشجاعة للمنظومة التشريعية، تتسم بالجرأة والإبداع.
كثرة القوانين
إن العدالة ليست في كثرة النصوص، بل في وضوحها واتساقها وتطبيقها العادل فالأنظمة القضائية الحديثة تميل إلى “التشريع الرشيق”، الذي يقوم على قواعد عامة واضحة، تترك هامشًا مرنًا للاجتهاد القضائي، وتُجنّب المشرع الوقوع في فخ التفاصيل المُربكة.
والتضخم التشريعي لا يربك الفهم فقط، بل يهدد بيئة الاستثمار، ويضعف الثقة في النظام القانوني، إذ يشعر أن القانون أصبح متاهة، وليس مرشدًا وهذا التراكم قد يُستخدم أحيانًا كسلاح تعسفي، إذ يُمكن للسلطة أن تنتقي من بين النصوص ما يخدم موقفها دون مراعاة للعدالة أو التدرج التشريعي السليم.
رؤية قانونية
إن الإصلاح التشريعي الحقيقي لا يعني فقط إصدار قوانين جديدة، بل إعادة نظر شاملة في المنظومة القانونية برمتها، بهدف التبسيط، والتوحيد، والوضوح فالقانون الناجع هو الذي يُفهم من أول قراءة، ويُطبق من أول إجراء، وتُبنى عليه الحقوق والالتزامات دون حاجة إلى تأويل لا ينتهي.
وعليه، فإننا في العالم العربي بحاجة إلى “مراجعة تشريعية استراتيجية”، تقودها جهات مستقلة، وتقوم على مبادئ الشفافية، والمشاركة المجتمعية، والتقييم المستمر لأثر القوانين. كما أن الوقت قد حان لاستخدام الذكاء الاصطناعي وتقنيات الرقمنة في فهرسة وتحليل القوانين، لتسهيل الوصول إليها ومراجعتها.
كثرة القوانين ليست معيارًا للتقدم، بل قد تكون أحيانًا مؤشرًا على الارتباك والعدالة الفعالة لا تُقاس بعدد الصفحات القانونية، بل بجودة النص، وسهولة التطبيق، ومقدار ما تحققه من إنصاف وحماية وازدهار.
* مستشار قانوني مصري مقيم في عُمان