العدد 6122
السبت 19 يوليو 2025
هل تأخر الأحكام القضائية يهدد الاستثمار في العالم العربي؟
السبت 19 يوليو 2025
  • من المهم إلزام جهات التنفيذ القضائي بإجراءات سريعة تحت رقابة صارمة

  • “محكمة البحرين التجارية الدولية” خطوة سباقة بين دول الخليج

  • لإعادة هيكلة محاكم الاستثمار والتجارة لتكون كيانات متخصصة


مما لا شك فيه أن العدالة تمثل إحدى ركائز استقرار الدول وضمان الحقوق، بل هي السياج الحقيقي للاقتصاد الحديث ومناخ الاستثمار الآمن وليس من قبيل المبالغة القول إن العدالة البطيئة باتت من أكبر معوقات الاستثمار في العالم العربي إذ أن تأخر الأحكام القضائية، وامتداد أمد التقاضي، يؤدي إلى هروب المستثمرين وإضعاف الثقة في أنظمة التقاضي المحلية، لتبقى الحقوق حبيسة قاعات المحاكم لسنوات وتغيب الحماية القانونية الناجزة وفيما يلي استعراض للوضع ببعض الدول الخليجية ومصر.

البحرين.. تجربة متقدمة

في مملكة البحرين، يمكن القول أن المشرع البحريني قد أدرك مبكرا مخاطر بطء العدالة على الاستثمار، فأنشأ “محكمة البحرين التجارية الدولية”، التي تُعد خطوة سباقة بين دول الخليج، حيث تختص هذه المحكمة بالنظر في النزاعات التجارية والاستثمارية الدولية، مع آليات عمل مرنة وإجراءات سريعة نسبيا، فضلا عن الاعتماد على النظم الإلكترونية في إدارة القضايا. إلا أن هذه المحكمة ما زالت مقتصرة على القضايا الدولية، بينما لا تزال المحاكم الوطنية العادية تعاني ازدحام القضايا، ما يتطلب تعميم تجربة المحكمة الدولية على المنازعات التجارية الداخلية كذلك.

عمان.. في طور البناء

أما سلطنة عمان، فقد أنشأت حديثا “المحكمة التجارية” ضمن خطتها لتحديث القضاء، وهي تختص بالمنازعات التجارية وتلك المتعلقة بالشركات والاستثمار، مع العمل على تطوير البنية الإلكترونية للمحاكم. غير أن الواقع العملي يكشف استمرار معاناة المحاكم العمانية من تأخر ملاحظ في إصدار الأحكام، لاسيما مع ضغط القضايا ونقص الكوادر القضائية المؤهلة. وبالرغم من أن قانون الإجراءات المدنية العماني تم تعديله في فترات سابقة لمحاولة تسريع نظر القضايا، فإن التطبيق الفعلي لا يزال بحاجة إلى تطوير جذري في آليات العمل وتسريع إجراءات التنفيذ.

السعودية.. إصلاحات جادة

تشهد المملكة العربية السعودية تحولات تشريعية كبيرة ضمن “رؤية السعودية 2030”، شملت تحديث نظام المحاكم التجارية وإنشاء محاكم متخصصة. وقد تم تفعيل الوسائل الإلكترونية في إدارة القضايا والتبليغات، مع تقنين مدد الطعن والإجراءات. ومع ذلك، تظل محاكم التنفيذ تعاني ازدحاما، وتأخرا في إجراءات تحصيل الحقوق بعد صدور الأحكام، حيث أصبح تنفيذ الأحكام هو الحلقة الأضعف التي تهدد بجعل القضاء مجرد مرحلة شكلية دون أثر حقيقي على أرض الواقع.

محاولات متفاوتة

في الإمارات العربية المتحدة، خصوصا في إمارة دبي، تمثل “محاكم مركز دبي المالي العالمي” نموذجا متقدما لقضاء استثماري سريع وعالي الكفاءة، مع إجراءات مرنة تنافس الأنظمة القضائية الغربية، وهو ما ساهم في جذب الاستثمارات الأجنبية إلى دبي. ومع ذلك، تظل المحاكم العادية خارج المركز المالي تعاني من بطء نسبي في الفصل في القضايا.

أما قطر، فعلى الرغم من التقدم التقني والإداري، ما تزال المحاكم تشهد تأخرا ملحوظا في القضايا المدنية والتجارية، مع تعدد درجات التقاضي الذي يطيل أمد النزاعات.

وفي الكويت، ما تزال مشكلة تأخر الأحكام أكثر وضوحا، مع اعتماد نظام تقليدي في إدارة القضايا، وتأخر إجراءات التنفيذ، رغم الجهود الحكومية الأخيرة لتطوير المرافعات المدنية.

العدالة البطيئة

في مصر، ورغم إنشاء المحاكم الاقتصادية ككيان قضائي متخصص منذ العام 2008، مازالت المشكلة قائمة. فالمحاكم الاقتصادية تعاني من تكدس القضايا وتأخر إصدار الأحكام، نتيجة ضعف البنية التحتية التقنية، وعدم كفاية الكوادر القضائية المتخصصة في الشأن الاقتصادي. والأخطر أن مرحلة تنفيذ الأحكام تواجه صعوبات بيروقراطية قد تفوق أحيانا مرحلة التقاضي ذاتها. أما المحاكم العادية، فتعاني من بطء مزمن في القضايا المدنية والتجارية، دون أي مساعٍ حقيقية لتطوير التشريعات بما يتلاءم مع متطلبات بيئة الأعمال والاستثمار.

الآثار الاقتصادية

إن تأخر الفصل في النزاعات، وتطويل أمد التقاضي، يؤدي إلى هروب رؤوس الأموال، ويجعل المستثمرين يفضلون اللجوء إلى أنظمة قضائية أجنبية أو مراكز تحكيم دولية خارج الإقليم العربي، وهو ما يحرم الاقتصادات العربية من فرص استثمارية ثمينة. فالقضاء الناجز ليس مجرد خدمة عامة، بل هو ضمانة سيادية لحماية الاقتصاد الوطني.

التحكيم كبديل

صحيح أن اللجوء إلى التحكيم التجاري الدولي بات خيارا يلجأ إليه المستثمرون تفاديا للعدالة البطيئة، إلا أن هذا البديل ليس مثاليا، في ظل ارتفاع التكاليف وتعقد إجراءات تنفيذ أحكام التحكيم في بعض الدول العربية، فضلا عن عدم صلاحية التحكيم لكل أنواع المنازعات التجارية.

رؤية قانونية

لا ريب أن العدالة الناجزة لم تعد رفاهية إدارية أو مطلبا مثاليا، بل أصبحت حجر الزاوية في بناء مناخ استثماري تنافسي آمن في دول الخليج ومصر وسائر الدول العربية. إذ بات تأخر الأحكام القضائية بمثابة تهديد صريح لمكانة الدول في تقارير التنافسية الاقتصادية العالمية.

ومن واقع استعراض التجارب في البحرين وعمان والسعودية والإمارات وقطر والكويت ومصر، يمكن القول إن هناك حاجة مُلحة إلى إعادة هندسة منظومة العدالة، ليس فقط عبر تسريع الإجراءات الشكلية، بل بإعادة صياغة فلسفة التقاضي ذاته، وتفعيل قضاء متخصص ومؤهل قادر على الفصل السريع، إلى جانب تطوير التنفيذ القضائي كركيزة موازية لحماية الحقوق.

وفي تقديرنا، فإن السبيل الأمثل للخروج من مأزق العدالة البطيئة يتمثل في:

- اعتماد نظام المواعيد الإلزامية في الفصل بالقضايا التجارية والمدنية، مع سقف زمني محدد في كل مرحلة.

- إعادة هيكلة محاكم الاستثمار والتجارة لتكون كيانات متخصصة حقيقية، لا مجرد دوائر داخل المحاكم العامة.

- تقليص مدد الطعن دون المساس بجوهر حق التقاضي.

- تفعيل التحول الرقمي الكامل في كافة مراحل الدعوى حتى التنفيذ.

- إلزام جهات التنفيذ القضائي بإجراءات سريعة تحت رقابة صارمة.

- تفعيل دوائر “القضاء العاجل الاستثماري” للفصل في المنازعات ذات البُعد الاقتصادي في مدد لا تتجاوز 3 أشهر.

ففي نهاية المطاف، بدون قضاء ناجز وفعال، يظل الاقتصاد مكبلا، والاستثمار معلقا، والثقة مفقودة. ولهذا، فإن معالجة أزمة العدالة البطيئة ليست إصلاحا قضائيا فحسب، بل إصلاحا اقتصاديا وسياديا بامتياز.

فالعدالة ليست فقط عنوان الحكم.. بل بوابة الاستثمار الحقيقي.

 

مستشار مصري مقيم في عُمان

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية