
مما لا شك فيه أن مسألة الضرائب أصبحت من أبرز المواضيع التي تفرض نفسها بقوة على الساحة الاقتصادية والتشريعية في الدول العربية، خاصة في دول الخليج العربي التي ظلت لعقود طويلة تتبع نموذجًا اقتصاديًا ريعيًا معتمدًا على العوائد النفطية، إلا أن التحولات الاقتصادية العالمية، والتقلبات في أسعار النفط، ومتطلبات التنمية المستدامة، فرضت واقعًا جديدًا أوجب إعادة النظر في مفهوم العدالة الاقتصادية، وفي القلب منه النظام الضريبي.
وإذا كانت الضريبة تُعد أداة مالية تُستخدم لتحقيق الإيرادات العامة، فإنها في الوقت ذاته تُعد وسيلة لتكريس العدالة الاقتصادية وإعادة توزيع الثروات وتحفيز النمو، ومن هنا تبرز أهمية التناول القانوني المتأني للتشريعات الضريبية السارية في دول الخليج، وتقييم مدى اتساقها مع مفاهيم العدالة الاقتصادية والاجتماعية، دون الإخلال بجاذبية البيئة الاستثمارية التي تُعد ركيزة أساسية في السياسات الخليجية الحديثة.
الإطار العام للسياسات الضريبية في دول الخليج
عرفت معظم دول الخليج ضرائب من نوع خاص، تميزت بعدم شموليتها وتركزها على قطاعات محددة، وكانت الضرائب المفروضة في السابق تقتصر غالبًا على ضرائب الشركات الأجنبية أو بعض الرسوم الجمركية، مع غياب شبه تام لما يُعرف بالضرائب المباشرة على الأفراد والدخول، وقد عُدّ ذلك من أبرز السمات التي جذبت الاستثمارات إلى المنطقة، إلى جانب الاستقرار الأمني والسياسي.
لكن هذا النموذج لم يعد مستدامًا في ظل المتغيرات الاقتصادية العالمية؛ ما دفع دول مجلس التعاون الخليجي إلى تبني نهج ضريبي أكثر شمولًا، تجلى بوضوح في فرض ضريبة القيمة المضافة في بعض الدول، وفرض ضرائب انتقائية على بعض السلع، مع وجود مؤشرات نحو فرض ضرائب على الدخل في مراحل لاحقة في بعض الدول.
البحرين نموذجا
اتسمت مملكة البحرين، كغيرها من الدول الخليجية، بالحذر في تبني نظام ضريبي شامل، غير أنها كانت من الدول الأولى التي طبّقت ضريبة القيمة المضافة بنسبة 5 % منذ 2019، ورفعتها لاحقًا إلى 10 %.
وتسير البحرين في تطبيق الضرائب وفق قانون متكامل لضريبة القيمة المضافة، متوافق مع الاتفاقية الخليجية المشتركة، مع توفير إعفاءات لبعض القطاعات مثل التعليم والصحة، كما تُطبّق البحرين ضريبة انتقائية على السلع الضارة، كالمنتجات التبغية والمشروبات الغازية، في خطوة تهدف للحد من استهلاكها وتحقيق إيرادات إضافية.
غير أن التشريعات البحرينية ما زالت تُراعي بشكل عام الطبيعة الاجتماعية للدولة، وتحجم عن فرض ضرائب على دخل الأفراد، وهو أمر يُحسب لها.
قراءة في التشريعات الضريبية الخليجية الأخرى
السعودية: تبنت المملكة نهجًا متقدمًا نسبيًا في الشأن الضريبي، حيث تطبّق منذ سنوات ضريبة القيمة المضافة وضريبة الدخل على غير السعوديين، إلى جانب الضريبة الانتقائية وضريبة على الأرباح الرأسمالية لبعض الأنشطة، وقد أنشأت هيئة الزكاة والضريبة والجمارك لتوحيد الجهات الرقابية، في محاولة لتعزيز الامتثال وتوسيع القاعدة الضريبية.
الإمارات: على الرغم من أنها كانت تعد من أكثر الدول الخليجية تحررًا من الضرائب، بدأت الإمارات في فرض ضريبة أرباح الشركات ابتداء من يونيو 2023 بنسبة 9 %، على الشركات التي تحقق أرباحًا تزيد على حد معين، كما تطبّق ضريبة القيمة المضافة منذ 2018 بنسبة 5 %.
سلطنة عمان: أصدرت السلطنة قانونًا موحدًا لضريبة الدخل على الشركات وتطبيق ضريبة القيمة المضافة في 2021، وتعد التجربة العمانية من أكثر التجارب الخليجية صرامة في التطبيق الفني للضرائب، مع خطط مستقبلية لفرض ضريبة دخل فردي تدريجية.
قطر والكويت: ما تزال قطر والكويت متحفظتين نوعًا ما في فرض ضرائب عامة على المواطنين، وإن كانت قطر تطبّق ضريبة على أرباح الشركات الأجنبية، بينما تناقش الكويت قانونًا جديدًا لضريبة القيمة المضافة وضريبة الدخل ضمن حزمة إصلاحات اقتصادية.
بين العدالة الضريبية وجاذبية الاستثمار
تمثل العدالة الضريبية أحد المبادئ المحورية التي تُقاس بها فاعلية النظام الضريبي، والتي تقوم على تحميل الأفراد والشركات عبء الضرائب وفقًا لقدرتهم المالية، وضمان عدم الإخلال بحقوق الشرائح الضعيفة من المجتمع، وفي السياق الخليجي فإن التحدي يكمن في الموازنة بين تحقيق هذه العدالة من جهة، والحفاظ على جاذبية البيئة الاستثمارية من جهة أخرى. فمن ناحية، لا يمكن إنكار أهمية تنويع مصادر الدخل الوطني وتقليل الاعتماد على النفط، وهو ما يستلزم فرض ضرائب عادلة ومن ناحية أخرى، فإن فرض ضرائب مرتفعة دون بنية تشريعية وتنفيذية متكاملة، قد يؤدي إلى عزوف المستثمرين وخلق اقتصاد ظل، وهو ما ينبغي التنبه له.
هل تحقق الأنظمة الضريبية في الخليج العدالة الاقتصادية؟
إذا أردنا تقييم مدى عدالة النظم الضريبية الخليجية، فلابد أن ننظر إلى عوامل متعددة:
مدى تصاعدية الضرائب: أي أن يتحمل الأغنياء العبء الأكبر، وهو ما لا يتحقق بوضوح في ضريبة القيمة المضافة، التي تعد ضريبة غير تصاعدية.
وجود إعفاءات للطبقات الأقل دخلا: بعض الدول راعت ذلك نسبيًا، لكن لا توجد آلية موحدة على مستوى الخليج.
استخدام حصيلة الضرائب في تحسين الخدمات العامة: وهي نقطة جوهرية تؤثر على قبول المجتمع للنظام الضريبي.
ماذا عن مصر وتجربتها في الإصلاح الضريبي؟
تمثل مصر حالة فريدة في العالم العربي، حيث تمتلك منظومة ضريبية متقدمة نسبيًا مقارنة بدول الخليج، وتطبّق مصر ضرائب دخل تصاعدية، وضريبة قيمة مضافة بنسبة 14 %، وضريبة على الشركات والأرباح الرأسمالية، وقد اتخذت الحكومة المصرية في السنوات الأخيرة خطوات لتوسيع القاعدة الضريبية وميكنة التحصيل؛ بهدف تحسين الكفاءة والشفافية، ومع ذلك ما زالت تعاني تحديات تتعلق بالعدالة الضريبية والتهرب الضريبي وعبء الفقراء من الضرائب غير المباشرة.
رؤية قانونية
إن التحولات الاقتصادية التي تشهدها المنطقة الخليجية تفرض ضرورة تأسيس نظام ضريبي متوازن يجمع بين تحقيق العدالة الاقتصادية والحفاظ على التنافسية الاستثمارية؛ ففرض الضرائب ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لتحقيق التنمية الشاملة والعدالة الاجتماعية، ويجب أن تتجه التشريعات الخليجية القادمة إلى:
- ضمان تصاعدية الضرائب بما يعكس العدالة.
- وضع آليات واضحة لإعفاء السلع الأساسية من الضريبة.
- تعزيز الشفافية والمساءلة بشأن أوجه صرف الإيرادات الضريبية.
- توحيد المرجعيات الضريبية داخل كل دولة لتقليل التضارب.
ولا ريب في أن البحرين، بما تمتلكه من مؤسسات تشريعية متقدمة، قادرة على أن تقدم نموذجًا خليجيًا متوازنًا في العدالة الضريبية، بما يخدم أهدافها الاقتصادية والاجتماعية، ويعزز الثقة بين الدولة والمواطن.
* مستشار مصري مقيم في عُمان