العدد 6150
السبت 16 أغسطس 2025
حين تحكم الآلة ويسمع القاضي عن بُعد.. الذكاء الاصطناعي بين عدالة اليوم وتشريع الغد
السبت 16 أغسطس 2025

مما لا شك فيه أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد خيال علمي أو رفاهية تكنولوجية، بل أصبح واقعًا يفرض نفسه في أدق تفاصيل حياتنا اليومية، من التطبيقات البسيطة على الهواتف الذكية إلى غرف العمليات الجراحية، ومن المؤسسات المالية إلى قاعات المحاكم، غير أن هذا التقدم المذهل أفرز أسئلة قانونية شائكة، لعل أهمها: هل تستطيع الأنظمة التشريعية مواكبة السباق المحموم نحو المستقبل أم أن القوانين، بطبيعتها البطيئة، تركض دومًا خلف التكنولوجيا؟
تسارع الابتكار وتباطؤ التشريع
إن الفجوة الزمنية بين وتيرة الابتكار وإيقاع التشريع باتت أحد أبرز التحديات في عصر الثورة الرقمية؛ فبينما تتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل شبه يومي، تظل العملية التشريعية تمر بمراحل طويلة من الدراسة والنقاش والموافقة والتنفيذ، وهذه الطبيعة البطيئة للتشريع تجعل المشرّع في موقف دفاعي أمام سيل الابتكارات، فيضطر إلى معالجة مشكلات نشأت بالفعل بدلًا من منعها قبل وقوعها.
هذه المفارقة تؤدي إلى مساحة زمنية تستغلها بعض الجهات أو الأفراد لتحقيق مكاسب غير مشروعة أو القيام بممارسات قد تكون غير آمنة أو مخالفة للأخلاق، مستفيدين من غياب أو قصور الإطار القانوني.
الذكاء الاصطناعي في الخليج.. خطى حذرة نحو التنظيم
ولا ريب في أن دول الخليج العربي بدأت تدرك أهمية وضع الأطر التشريعية للذكاء الاصطناعي، وإن كانت بدرجات متفاوتة.
سلطنة عمان 
في سلطنة عمان، تم إنشاء لجان وطنية مختصة بالتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، وأُدرج الملف في رؤية عمان 2040 غير أن الإطار القانوني ما يزال في طور البناء، ولم تصدر بعد قوانين واضحة تنظم المسؤولية القانونية عن قرارات الذكاء الاصطناعي أو تحدد آليات حماية البيانات التي تُغذي الخوارزميات.
الكويت
في الكويت أطلقت الحكومة مبادرات تقنية متقدمة، منها تأسيس “المجلس الوطني للاقتصاد الرقمي”، واستخدام حلول الذكاء الاصطناعي في قطاعات الصحة والتعليم والخدمات الحكومية، لكن التشريعات الخاصة بهذا المجال ما زالت محدودة، ولا توجد نصوص صريحة تحدد المسؤوليات أو تضع ضمانات قانونية لحماية حقوق الأفراد.
مصر والتشريعات الرقمية.. بداية مبشّرة
في مصر، شهد العام 2021 إطلاق “الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي” وتأسيس مركز وطني لهذا الغرض، مع الحديث عن مشاريع قوانين لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي، خصوصا فيما يتعلق بحماية البيانات الشخصية، إلا أن هذه التشريعات لم تكتمل بعد، وما زالت الحاجة قائمة لقوانين متخصصة تعالج الجوانب الأخلاقية والاجتماعية والقضائية المرتبطة بالتقنيات الذكية.
القضاء الرقمي واستماع المرافعات عن بُعد
من أبرز مظاهر تلاقي الذكاء الاصطناعي مع الواقع القانوني، تجربة القضاء الرقمي واستماع المرافعات عن بُعد، وهي خطوة بدأت بعض الدول العربية في تبنيها قبل سنوات، مثل الإمارات والسعودية، حيث تمكّنت المحاكم من عقد جلسات كاملة عبر الوسائط الرقمية، مع توثيق إلكتروني وحماية أمنية متطورة.
وفي مصر، اتجهت وزارة العدل أخيرا نحو تعميم هذه التجربة في بعض المحاكم، خاصة الاقتصادية ومحاكم الاستثمار، بما يسمح بعقد الجلسات دون حضور الأطراف فعليًا في قاعة المحكمة، مع الاستماع إلى المرافعات عبر تقنيات الاتصال المرئي، هذه الخطوة توفر الوقت والجهد وتسرّع الفصل في القضايا، لكنها تطرح تحديات قانونية جوهرية، منها:
- ضمان علنية الجلسات وحق الجمهور في الاطلاع.
- الحفاظ على سرية المرافعات والمستندات.
- معالجة الأعطال التقنية التي قد تؤثر على سير العدالة.
- وضع إطار قانوني واضح لكيفية توثيق الجلسات الرقمية وحجيتها أمام القضاء.
ومع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، يُتوقع أن تلعب هذه الأنظمة دورًا أكبر في القضاء الرقمي، من خلال فرز القضايا آليًا، أو مساعدة القضاة في تحليل السوابق القانونية، أو حتى صياغة مسودات الأحكام، وهو ما يتطلب تشريعات استباقية تحدد حدود ودور الذكاء الاصطناعي في العمل القضائي، وتمنع أي مساس باستقلال القاضي وحياد القضاء.
أين يكمن الإشكال الحقيقي؟
الإشكال ليس في سرعة التشريع فقط، بل في قدرة القوانين التقليدية على فهم طبيعة الذكاء الاصطناعي، فهل يمكن تحميل الخوارزمية مسؤولية قانونية؟ ومن يُحاسب في حال وقوع ضرر؟ المطور؟ المالك؟ أم النظام نفسه؟ وهل يمكن منح الذكاء الاصطناعي “شخصية قانونية”؟ هذه الأسئلة لم تجد إجابة حاسمة حتى الآن، سواء في الأنظمة العربية أو الغربية.
بين الحوكمة والأخلاقيات
لا يمكن الحديث عن التشريع بمعزل عن الحوكمة والأخلاقيات؛ فالذكاء الاصطناعي يتغذى على البيانات، وإذا كانت هذه البيانات متحيزة، فستكون القرارات كذلك، وهنا يأتي دور القوانين التي تفرض الشفافية، وتلزم الشركات بالكشف عن آليات عمل أنظمتها، وتسمح بالتدقيق والمساءلة.
نماذج عالمية يمكن الاقتداء بها
من أبرز النماذج العالمية، مشروع “قانون الذكاء الاصطناعي” الأوروبي، الذي يصنّف الأنظمة الذكية حسب درجة خطورتها، ويضع ضوابط لكل فئة، مع تحميل الشركات المطورة المسؤولية عن الأضرار. مثل هذه التجارب يمكن أن تلهم الدول العربية لوضع تشريعات متقدمة تحمي الأفراد والمجتمع.
رؤية قانونية
في ظل التسارع التقني، نحن بحاجة إلى تشريعات استباقية لا رد فعلية، قادرة على استيعاب الابتكار وتطويعه لخدمة المجتمع. وأقترح في هذا الإطار:
1 - إنشاء هيئات وطنية مستقلة للذكاء الاصطناعي، تضع الأطر القانونية وتراقب التطبيق.
2 - تبني مبدأ “القانون المفتوح” الذي يخضع للمراجعة الدورية لمواكبة التغيرات.
3 - تعزيز التعاون بين المشرعين وخبراء التقنية لفهم الجوانب الفنية والقانونية معًا.
إن الذكاء الاصطناعي والقضاء الرقمي يمثلان معًا فرصة تاريخية لتطوير العدالة وتسريعها، لكن في غياب التشريع الرشيد، قد يتحولان إلى تحدٍّ قانوني وأخلاقي واقتصادي بالغ الخطورة. وبينما تواصل الآلة تقدمها، يبقى التحدي أمام الإنسان: أن يسبقها تشريعًا لا أن يلحق بها ندمًا.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية