في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتزاحم فيه التحديات، أصبح القلق رفيقًا حاضرًا في حياتنا. كثيرون يرونه عبئًا يثقل النفس ويعطّل الإنجاز، لكن الحقيقة أن القلق ليس دومًا خصمًا، بل قد يكون الوقود لتخطي العقبات وتحقيق الأهداف. القلق المنتج هو طاقة خفية، تحرّك العقل نحو الإبداع، وتدفع القلب إلى المثابرة. إنه الشعور الذي يجعلنا على استعداد قبل الموعد، نراجع التفاصيل، ونبحث عن طرق أفضل لتحقيق النتيجة المرجوة.. وفي المقابل، القلق الضار يستهلك الطاقة في الخوف والتشتيت، فيسلب القدرة على التركيز.
الفرق بينهما هو طريقة التوظيف.. ولتحويل التوتر إلى قوة، لابد من خطوات عملية تبدأ بتقبّل القلق لا مقاومته، ثم توجيهه نحو هدف واضح، وأخيرًا حماية الجسد والعقل من الإنهاك عبر النوم الكافي والرياضة والتنفس العميق. الشباب، أكثر من غيرهم، يعيشون في دوامة من القلق بفعل ضغوط الدراسة والعمل والمستقبل، لكن قصص النجاح حول العالم تثبت أن كثيرًا من الإنجازات العظيمة وُلدت من رحم التوتر.. فالمخترع الذي يسهر لياليه خوفًا من فشل تجربته، قد يحقق اختراقًا علميًّا، والطالب الذي يشعر بضغط الامتحان، إن أحسن تنظيم وقته، يكتشف أن القلق كان سرّ تركيزه. في بيئة العمل، الموظف الذي يتهيّب عرض مشروعه أمام الإدارة، إن استثمر قلقه في التحضير والتمرين، يجد نفسه أكثر ثقة، ويترك أثرًا إيجابيًّا لدى الحاضرين. وفي التعليم، الطالب الذي يحوّل توتره قبل الامتحان إلى التزام بالمراجعة المنهجية، يلمس أثر هذا التحوّل في نتيجته النهائية. الأمر لا يتوقف على الأفراد، بل يمتد إلى المؤسسات، فبيئة العمل التي تتيح النقاش وتدعم الابتكار تحوّل قلق موظفيها إلى إبداع جماعي، والمدارس التي تعلّم طلابها كيفية التعامل مع الضغوط، تخرّج أجيالًا أقوى وأكثر مرونة.
القلق، إذًا، ليس إشارة خطر فقط، بل قد يكون جرس تنبيه يدعونا للاستعداد، للتطوير، وللمضي قدمًا بثقة. وحين نتقن فنّ ترويضه، يصبح حليفنا المخلص في سباق الحياة، ويدفعنا نحو قمم الإنجاز التي لم نكن نظن أننا قادرون على بلوغها.
* كاتبة وأكاديمية بحرينية