في عالم مفتوح تتكرر فيه الصور، وتُعاد فيه العبارات، وتُقلَّد فيه السلوكيات، أصبحت الأصالة عملة نادرة، لا يملكها إلا من امتلك الشجاعة ليكون نفسه، فأسهل الطرق اليوم أن نكون نسخة مقلدة، أن نقول ما يُقال ونفعل ما يُفعل، حتى لا نخالف أو ننتقد أو نقصى.
الشباب اليوم يواجهون ضغطًا غير مرئي، لكنه مؤثر.. أن يشبهوا الآخرين في كل شيء، في المظهر، في نمط الحياة، في الطموحات وحتى في طريقة الكلام. صارت المقارنة يومية، والتقييم لحظيّ، والهوية تتشكل أحيانًا وفق ما يعجب المتابعين لا ما يُشبه الذات. لكن، ماذا نخسر حين نتنازل عن أصالتنا؟ نخسر الروح، والفرادة، وخيط التميز الذي يُعطي لحياتنا طعمًا مختلفًا. نتحول إلى ظلال لغيرنا، ونتعب في تقليد حياة لا نعرف حقيقتها، ولا تناسبنا أصلًا.
الأصالة لا تعني الغرابة أو العزلة، بل أن نفهم أنفسنا بصدق، أن نختار قناعاتنا، ونبني شخصيتنا على أساسٍ متين من القيم والمعرفة والتجربة، لا على “الترند”. أن نقول “لا” عندما يركض الجميع وراء “نعم”، وأن نتحمل مسؤولية اختياراتنا، حتى وإن كانت مختلفة. الملهمون الحقيقيون لم يكونوا نُسخًا مكررة. كانوا مختلفين، صادقين، وأحيانًا مرفوضين في البدايات، لكن العالم لم يتقدم على أيدي المقلّدين، بل على أيدي أولئك الذين قالوا: “أنا أرى الأمور بشكل مختلف”. للشباب، رسالتي أوجهها اليوم، تذكّروا: “لا بأس أن تتأخروا قليلًا في التعبير عن أنفسكم، لكن الأهم هو ألا تتعجلوا في تقليد غيركم”. لا بأس أن تخوضوا طريقًا وحدكم، إن كان نابعًا من قناعة حقيقية. فالأصالة لا تُعلَن، لكنها تُلمَس، وتُحترم، وتبقى.. فكونوا أنتم، لا كما يريدكم الآخرون أن تكونوا. لا تتنازلوا عن حقيقتكم لتكسبوا القبول، ولا تذِيبوا ملامحكم في قالب لا يُشبهكم. الأصالة ليست أن تختلفوا لمجرد الاختلاف، بل أن تمتلكوا البصيرة لتعرفوا من أنتم، والشجاعة لتعيشوا وفق ما تؤمنوا به. ومادام لكم أثر صادق.
* كاتبة وأكاديمية بحرينية