مؤخرًا، استوقفتني تعليقات على بعض مقالاتي تذهب إلى ما هو أبعد من الفكرة لتصل لسؤال استنكاري وأحيانًا يُطرح بسخرية فجة: لماذا أكتب في السياسة مرات، وفي الفلسفة أو قضايا تغيّر المناخ في مرات أخرى؟! وكيف يمكن لي أن أجمع بين كل هذه المجالات المختلفة؟!
وبعيدًا عن أساس النقد الذي يجب أن يوجه للفكرة لا لصاحبها، فلا بأس من مناقشة هذه القضية التي قد تبدو منطقية في ظاهرها انطلاقًا من مبدأ التخصص. ولكن عند الذهاب إلى ما هو أعمق في هذه المسألة، تكشف تلك الأسئلة عن فهم قاصر لطبيعة العمل الصحافي الحديث، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بشخص عاش طويلًا في غرف الأخبار.
لقد عملت خلال السنوات الماضية في قناة “الحرة” الأميركية، وهناك تعززت لدي قناعة راسخة بأن الصحافة الحقيقية لا تقتصر على التخصص الواحد، بل يحتاج الكاتب للفهم الشامل لكل مجالات الحياة؛ بحيث يكون مطلعًا على كثير من الأشياء بدلًا من أن يكون متعمقًا في شيء واحد. كنا نكتب في الاقتصاد والفن والقضايا الاجتماعية في جميع الدول العربية، وكنا نستعرض القضايا السياسية الإقليمية والدولية، بالإضافة إلى آخر تطورات التكنولوجيا وعلوم الفضاء، وننشر أحدث الدراسات الطبية وأبرز الملفات الرياضية والبيئية وغيرها.
وفي عصر انفجار المعلومات، لا ينبغي أن يحصر الصحافي نفسه في بوتقة واحدة؛ بل عليه أن يقرأ ويكتب في كل شيء، شريطة أن يمتلك أدوات البحث والفهم التي تضمن له الوصول لمعلومات دقيقة حتى يتشكل لديه رأي ذو قيمة.
لقد فرضت تحولات العصر أن يكون الصحافي واسع الاطلاع، سريع التعلم، متعدد الأدوات، ومرنًا في الانتقال بين المواضيع المختلفة، فعندما انتشر وباء كوفيد - 19 كانت هناك حاجة ملحة للمعلومات الموثوقة وتقديمها بشكل مبسط لعامة الناس، وهذا يحتاج لصحافيين مطلعين مثلًا على خصائص الأوبئة الفيروسية وطبيعة انتقال العدوى.
إن الكتابة في أكثر من مجال لا تمثل ضعفًا، بل هي مصدر قوة لأي كاتب وتعكس عقلًا مستنيرًا يمتلك فضولًا معرفيًا واسعًا، وقدرة على التحليل الأوسع للقضايا والربط بينها، فأعظم قوة لدى الإنسان هي قدرته على التفكير على نطاق واسع.
أما عن النقد، فلا ضير فيه ما دام يناقش الفكرة ويتجنب الشخصنة؛ لأن السؤال عن صاحب الفكرة يعكس جهلًا عميقًا لدى الناقد.
وبالنسبة لي، سأظل أكتب - ما استطعت - في كل ما أعتقد أنه جدير بالكتابة؛ لأن الكاتب الحقيقي لا يمكن أن يختزل نفسه في مجال واحد.
كاتب بحريني