العدد 6138
الإثنين 04 أغسطس 2025
لماذا نحتاج إلى العلمانية؟
الإثنين 04 أغسطس 2025

 في كل الأديان والمعتقدات، ثمة علاقة روحية خاصة تتجسد في شكلها العمودي بين الإنسان وربه، إذا كان الإيمان الصادق جوهر هذه العلاقة، وحين تتحول هذه العلاقة الروحية إلى أفقية، بحيث يتم فرضها كمنظومة اجتماعية على الجميع، فإن الدين يصبح مجرد أداة هدفها الهيمنة، وهذا الشيء يفسر سطوة بعض رجال الدين على حياة بعض أفراد المجتمع. كما ينتج عن هذا الوضع وجود شخصيات متناقضة؛ حين يعيش البعض حياتين مختلفتين، واحدة في السر وأخرى في العلن، واحدة لإرضاء المجتمع وأخرى ترتضيها نفسه.
المفكر والفيلسوف الروماني، ميرتشا إلياده، وصف هذا التحول بدقة في كتابه “المقدس والمدنس”، حيث قال: “لا يعيش الإنسان الديني أبدًا في عالم متجانس؛ فهناك فرق جوهري بين المكان المقدس والمكان العادي، بين المركز والمحيط، بين النظام والفوضى”. ومن هذه الفكرة التي يطرحها المفكر إلياده - والذي يُعد من أهم من درسوا الظواهر الدينية - يمكن استنتاج أن الدين يصنف الوجود إلى ثنائيات متناقضة كالحلال والحرام والمقدس والمدنس وغيرها، ما قد يفرض هذه المنظومة الدينية على الحياة العامة لو تدخلت في قرار الدولة.
إن الدول الحديثة بطبيعتها تقوم على مفهوم المواطنة بدلًا من الولاء الديني، وعلى أساس القانون المدني المحايد الذي يساوي بين جميع الناس من مختلف الأديان، وأيضًا على مبدأ تكافؤ الفرص، لا تفضيل المؤمن على غيره، أو المسلم على المسيحي، وغيرها من التصنيفات.

ومع ذلك، مازالت هناك أنظمة عربية تتعامل مع الدين كأداة للضبط الجماعي والسيطرة، لا كحرية شخصية للفرد، ما يجعل الدين عبئًا على السلطة والمجتمع معًا حين يُقحم في تفاصيل إدارة الدولة. وبالتأكيد، ليس المقصود هنا الطعن في الأديان أو الإساءة لها عند المطالبة بفصلها عن إدارة الدولة، بل على العكس تمامًا، فهذه الفكرة تحمي الدين من التسييس وتعطي الناس حقهم في ممارسة عباداتهم بحرية تامة أيا كانت.
إن الدول العربية الأكثر استقرارًا وازدهارًا سياسيًّا واقتصاديًّا، هي تلك التي قدمت نماذج - ولو جزئيًّا - في فصل الدين عن الدولة، والحد من سطوة رجال الدين على القرار العام.
وفي الناحية المقابلة، فإن أية دولة لم تلتزم بهذا المبدأ وتتم صياغة القرار السياسي فيها من منابر الوعظ، فإنها بالضرورة تعاني من الانقسامات والتشرذم، وتواجه صعوبات في بناء هوية وطنية جامعة لكل شعوبها.
وعندما نطرح فكرة العلمانية المتمثلة في فصل الدين عن الدولة - وهو مفهوم لا يستوعبه كثير من المتدينين الإسلاميين تحديدًا - فإننا لا نسعى إلى تقليد النماذج الغربية بشكل أعمى، وهي أنظمة أيضًا تعاني من بعض الإشكاليات الجوهرية، لاسيما في فرنسا مثلًا التي لديها تفسير صارم للعلمانية، لدرجة أنها تتدخل في حرية الإنسان؛ ماذا يلبس وما يجب أن يفعل في الأماكن العامة وغيرها.
نحن نؤمن بصياغة نموذج عربي فريد يعيد الدين إلى موقعه الطبيعي: العلاقة بين الإنسان وربه؛ فحين تبقى عمودية، فإنها تشكل مصدرًا أخلاقيًّا يعمل على تقويم سلوك الفرد ومنبعًا للقيم النبيلة.
أما حين يتحول الدين إلى أداة لصنع قرارات سياسية في الدولة، فإنه يصبح قيدًا فكريًّا يُستخدم لمحاولة السيطرة على العقول.

لقد آن الأوان لإدراك أن الفصل بين الدين وإدارة الدولة ليس تقليلًا من شأن الدين، بل رفعة له وصيانة لجوهره السامي، وحماية للحريات الإنسانية في المجتمعات المتنوعة دينيًّا وطائفيًّا.

كاتب بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية