العدد 6050
الخميس 08 مايو 2025
الاستنزاف الوظيفي
الخميس 08 مايو 2025

 أذكر أنني حُملت مرة على محمل الإسعاف، وزُجَّ بي في السيارة في حالة يرثى لها، أذكر أنني رأيت شريط حياتي بأكمله في سيارة الإسعاف. تجمّع حولي جمع غفير من الأطباء والمتدربين في محاولة لفهم الحالة، حتى تبيّن أنها حالة “إرهاق شديد جدًّا” سببها العمل. أي عمل هذا الذي يوصل العامل لهذه الدرجة من الإرهاق، ويتسبب لموظفيه بالأذى؟! أهي طبيعة العمل ذاته، أم إساءة استخدام العامل تلك التي قد تؤدي به للإعياء، لا بل والمشارفة على الموت حتى يرى شريط حياته في لمحة؟!
تبدأ العمل الذي تمنيته بعد انتظار، مليئًا بالشغف والطاقة، ثم تجد نفسك وقد أسيء استخدامك، واستنزفت طاقتك المهنية إلى الحد الذي يجعلك تكره مهنتك، وتتمنى الاستقالة، أو التقاعد المبكر كل يوم، وهذا يعني أنك تستنزف طاقيًّا وتحترق وظيفيًّا، فكيف يسمح قانون العمل بذلك؟ إذا شعرت بأنك تنهار بسبب المهمات المتعددة التي توكل إليك، وبأنك قد فقدت القدرة على الموازنة بين مهمات عملك ومسؤولياتك الأخرى، وفقدت الرغبة في الذهاب لمكان عملك، وشككت في قيمة العمل الذي تقوم به، وشعرت بنفاد طاقتك اللازمة للعمل بإتقان، وتعاني من ضعف التركيز، وصبرك توقف عن تحمل سلوكات زملائك في العمل، فاعلم أنك تعاني من الاحتراق المهني، وهو ما يجب أن تحاربه بشدة، وتعالج آثاره بعناية من أجل صحتك الجسدية والنفسية.
يعتقد رب العمل أن إخضاعك للعمل تحت الضغط واستعمالك كيفما يشاء وأينما أراد يساهم في زيادة الإنتاج، ويغني المؤسسة عن تكاليف توظيف جديدة، والواقع أن ما يحدث هو على النقيض من ذلك تمامًا؛ فحين تحترق مهنيًّا، وتستنزف طاقتك، ويغيب عنك الشغف للعمل؛ تقل لديك الإنتاجية، وتصبح مصلحة المؤسسة من آخر أولوياتك، لأنك تعاني.
ولكي تتعامل مع الاستنزاف الوظيفي، أنت بحاجة للراحة والاستجمام، لتستجمع طاقتك التي أهدرت في العمل. إن من حقك أن تقول لا إن دعت الحاجة، وأن تقاوم الاستغلال الوظيفي قدر المستطاع، وأن تبحث عن مهنة أخرى إن لم يتحسن وضع عملك، وأن تمارس أنشطة تساعدك على الاسترخاء والتركيز الذهني، ومحاولة التعايش والتأقلم، والتحدث مع الآخرين الذين بإمكانهم تقديم الدعم لك وتخفيف أعبائك الوظيفية. وأخيرًا؛ فإن حسن معاملة رئيسك في العمل وإظهاره المرونة واللين، هو ما يضمن جودة العمل التي لا تضمنها القسوة وسوء الاستخدام.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .