يحاول أحد أنصار الزعيم جر الشاب الفقير إلى مغامرات جديدة في السياسة والحروب، فيفلت الشاب ويسحب يده من يد الحزبي قائلا: “أنا استيقظت... كفرتُ بالبندقية إن كانت على كتفي وأنا جائع، وأمي بلا دواء. ماذا قدمتم لي من كل هذه المغامرات السياسية؟ سقطت شهادات الوفاة لأصدقائي ذابلة أمام الشهادات الجامعية لأبنائكم... أعمارنا تُستبدل باستبدال سيارات أبنائكم الفارهة، و “الأخماس” تتراكم في حساباتكم كتراكم جثثنا الملقاة في المقابر. تتوزعون الصدقات كغنائم حرب، وأعمدة فيلاتكم كأعمدة مشانق شُنقت عليها زهور القرية المرتجفة من أصابع القدر القاتل. توفرون لأبنائكم “حور عين” الدنيا، وتبيعون علينا “حور عين” الجنة! هل من العدالة أن تسكنوا في أجمل الفلل وأمهاتنا يلطمن على وجوههن على كل من رحل؟ وماذا فعل بنا الخطيب؟ قدمنا وجبات للموت، وأطعمنا لقدر متوحشٍ ولنهِمٍ اسمه الجشع، وهو يزداد ثراء ويتدلى كرشه تخمة و “يكسكس” كل ليلة امرأة، ويتنقل بين الأثرياء احتفاء وولائم دسمة مختلطة بما لذ وطاب من الطعام والآلام والأحلام.
يا صاحبي، أتخمونا شعارات، يُلبسون زهرة أعمارنا أكفانا، وهم ضاربون في الأرض ديناصورات أعمار تتخطى أعمارهم القرن، ونحن لم نأخذ من الدنيا سوى خطبة جمعة عرجاء ووردةٍ على قبر، صدقة على عمر تناثر في أجواء مقبرة لا نسمع فيها غير ضجيج الأمهات. ماذا فعل لنا الخطيب؟ وهو يأمن لأبنائه حياة رفاهية، ومستقبلا واعدا، وتنوع وظائف ومشاريع استثمارية، ولماذا يوفدون أبناءهم لعواصم أوروبا، ويُلقون بنا في أتون الحروب القاتلة والمغامرات المميتة؟
يا صديقي، أنا وُلدت مع البؤس في يوم واحد، وكأني وقعت عقدا مع المعاناة. أبي مات فقيرا تاركا خلفه أرملة تهدهد صبية صغارا. ثلاثة أبناء ذهبوا في محارق السياسة نعوشا، واثنان ينامان على الرصيف، والصغير مشروع موت يستمع مواعظ الخطيب. ويا لله من مفارقة، ذات يوم ذهب أخي للصلاة، وكادت أن تصدمه سيارة فارهة. اقترب من السيارة، حاول أن يتعرف على ملامح هذا الشاب المراهق، فرك عينيه عجبا، علم أن السائق هو ابن الخطيب! إن الخطيب يوزع علينا كل جمعة فواكه الجنة، لكنه ينسى أن المستمعين جوعى في الدنيا، ونتمنى لو يمنحنا سيارة كسيارة ابنه الجميلة.
هكذا يا صاحبي، هي عدالة الخطباء في بلادي.. آه، ما أبعدها عن عدالة السماء. أتعلم يا صديقي، ما قاله الأديب الروسي دوستويفسكي؟ كان يقول: “أتعرف ما يؤلمني أكثر من الألم؟! أنني اعتدت عليه.. وأصبحت أعرفه بالاسم، وأصافحه كل صباح كضيف لا يرحل أبدا!”. هكذا نحن.. نتقاسم الحياة فقرا كيتامى يتقاسمون رغيفا واحدا، كقصة أوليفر تويست للكاتب الإنجليزي تشارلز ديكنز. إنها قصة “الخبز الحافي”، أرأيت خبزا حافيا؟ هذا أنا، والتنور هي الحياة، والخباز زعيمك، الذي ما فتئ يوزع الأكفان على الجغرافيا ليالي أعراس الدم العتيق. إنها رائحة الخبز المعجون من دموع أمهاتنا، وخيبات تاريخ متشظٍ من حماقات التاريخ، معجونا بقراءات مبتسرة من نصوص مشوهة مدسوسة على الدين.
يا صديقي، تعبت من هذه الأفكار القاتلة التي لا تقود إلا إلى مقبرة أو سجن أو منفى. أريد أن أعيش، أنا ما خُلقت لأكون أحد مناديل الخطيب السياسية، يلقيها بعد أي اجتماع أو مفاوضات سياسية. هذا القفص المزخرف بالأفكار السجينة لا يُلغي أن المصير حصير. يا صديقي، الصراخ داخل قفص مزخرف لا يُسقط الأقفال بل يُجملها! كم من قفص أدخلونا فيه: قفص الفقيه، قفص التقليد، قفص الخُمس، قفص التاريخ، قفص أن الموت قدر، قفص الجهاد، قفص أننا أفضل أمة، وأن بقية العالم مجرد خدم وخردة، نحن الأفضل وإن كنا الأجهل ولا إنتاجية لنا.
نحن صرنا لحما مفروما على مفرمة السياسة. إن فلسطين لا تُحرر بخراب لبنان، ولا بدمار سوريا، ولا ضياع اليمن، ولا على حساب خراب أوطاننا. هل سمعت الخبر؟ إن إيران تحاول إغراء الرئيس ترامب وشركات “الشيطان الأكبر” بتريليون دولار مشاريع استثمارية في إيران! ماذا أقول لكل الضحايا؟ آه! ماذا أقول لكل أصدقائي في المقبرة؟ ماذا أقول لأمهاتهم؟ إذا كانت مضطرة للتفاوض بسبب الخطر القادم، ألم تكن لبنان وسوريا أيضا مضطرتين؟ فلماذا تُخرب بيروت وتُحمى طهران؟ لماذا تُوضع عواصم في نار التنين، ويأكلهم الوحش، وهم لهم حق المفاوضات ولو على حساب كل الشعارات الزائفة التي خُبئت تحت أكفان الصبية الصغار؟
يا صديقي، بُحت حناجر الخطيب والمصلين وهم يجأرون “الموت لأمريكا”، وها هي “الأم الحنون” تنادي أمريكا بالأحضان وتُغريها بترليون دولار. أليس من الغباء أن يُعاد تكرار ذات الشعار من قِبل بعض المغرر بهم؟ هل سيخرجون من غيبوبة بيع الشعارات في بازار السياسة؟ إن ديمقراطية الخطيب تتحول إلى وحش لو اختلفت مع حزبه أو خطابه، وكم من خطيب حول أتباعه إلى وحوش؟ قال كارل يونغ: “حين يُغيب الإنسان وعيه، تخرج وحوش اللاوعي لتقوده”.
وهكذا تقود هذه الوحوش شعوبا كاملة نحو حروب “مقدسة”، وانتقامات من طواحين الهواء، تحت شعارات “التحرير”، “الثأر”، أو “الحماية”. عندما تُقدَم مدينة بأكملها فدية لخطأ تأويلي فتحترق بالتأويل، وعندما يصبح وطنٌ كامل حطبا في نار صراع إقليمي فيشتعل بالنيابة، وعندما يُرهب الشاب من أن يسأل، والمرأة من أن تفكر، والطفل من أن يحلم.. فاعلم أن الأوطان تتحول إلى مذابح، والمواطنين إلى لحم نيء يُشوى على مشواة السياسة.
يا صديقي، سلم على الخطيب وقل له: أنا خرجت من زنزانته السياسية، وارتديتُ أأنق الثياب، وأقرأ كتابا لفولتير وديكنز وهمنغواي ونيتشه، والتحقتُ بالجامعة أدرس الطب، ومواظب على التمارين، وأسافر لأستمتع بدنيا جميلة، وأريد أن أبني عائلة ناجحة. قل له فقط: “يبتعد عنا، يتركنا بحالنا”، قل له ولزعيمه ولكل التابعين: إني رأيت في المنام أخي الذي رحل فداء لـ “الخطيب العظيم”، ألا يزور قبر أخي، لأنه يرفض ذلك، وسيقول له لو جاء متعنتا لاستغلال رطوبة قبرٍ اختمر بالألم، سيقول له كما قال دوستويفسكي: “الزهور التي ستشتريها عند زيارتك لقبري لا داعي لها، ولا داعي أن تبكي فوق رأسي، اشترِ ساندويتشا وأعطه لحارس المقبرة”.
ولا تنس أن تخبره أني سأذهب للمقبرة غدا، لأسلم على قبر أمي، أضع زهرة على قبرها، وأقول لها: أماه، ابنك ما زال بخير، نجا من الجميع، الحزب والزعيم، وعاد للوطن والحياة، فلتقر عينك فرحا.