إنهم تمامًا كمن يطحن الماء، ويحرث البحر، ويريد أن يمسك الهواء!
ففي الوقت الذي يشتعل فيه الحريق في الشرق الأوسط، حيث يتحول الشباب إلى تراب، والأطفال إلى قيمة نعل، والنساء إلى حساء، حيث تتحول مرايا الحلم إلى شظايا يتم، وبقية لحم منثور على أرصفة واقع مر، كما يقول محمود درويش في وجعه: “وطني ليس حقيبة، وأنا لست مسافرًا...”.
يخرج علينا بعض رجال الدين صارخين، بحناجر أقوى من البارود، وعيون تقذف شرر “الغيرة المصطنعة”، فراغًا وخواءً تطلعًا، وكلمات تقذف كحمم من بركان مهترئ، عن امرأة... وطاولة!
ما أتعس الإنسان، كتلة لحم مشغولة بطاولة!
يتفاجأ الحضور، وهم يتلقون جمر الغضب شررًا وشرًا ومنشارًا، ما الحكاية هذه المرة؟ ما المصيبة الكبرى التي اقترفها هذا الجمهور التعيس في عين قائم مقام القداس الأعظم؟
لا مولد يفجر بالتنغيص، ولا عيد ليكون ثلاثة أعياد سمان، ولا تجمع يوم خميس ليكون “الخميس التعيس”، ولا تصفيق “شفيق” في دور عبادة فلا شيء يغوي في هذه المدينة، والخطاب المهلهل سوى حجارة تلقى جزافًا على وجوه المستمعين الفقراء.
هذه المرة، انبرى أكثر من رجل دين ليستعرضوا بترسانة الاستعراض وجعًا أسود كزيت شاحنة مهربة من الحرب العالمية الثانية. وبعد تناثر خرز سلسلة نظرية “المشموم” محرمًا، خرجوا علينا مستائين من جلوس امرأة على طاولة فيها ثلاثة رجال في عمل خيري! وكما قال المتنبي: “أغاية الدين أن تحفوا شواربكم؟
يا أمةً ضحكت من جهلها الأمم!”..
وحش الحرب يطل على الشرق الأوسط، أطفال يتراكمون بحثًا عن كسرة خبز في غزة، وحزن بطول أبراج نيويورك، وأصحابنا الغيارى لم تستثر حناجرهم سوى امرأة جلست على طاولة تتحدث باحترام! فماذا سيخرجون لنا من أجيال؟
في علم النفس، هناك نظرية تسمى السلوكية (Behaviorism)، وتشير إلى أن سلوك الإنسان انعكاس لبيئته. فلا يمكن أن يتطور المجتمع حضاريًا، وهو يعبئ دماغه بثقافة الطاولة، وعقلية “المشموم”، وفكر “تنحيس الخميس”، و“تخبيص التصفيق”.
بعضهم مهووس بالمرأة، مكبوت حتى الثمالة. بعضهم يشبه نظرية “الفيل الأبيض” في الاقتصاد: يأكل، ينام، ولا فائدة منه. مشروع يستهلكك حتى يفلسك. وهل هناك إفلاس أعظم من الإفلاس الثقافي؟ قال أرسطو: “الفضيلة وسط بين رذيلتين؛ الشجاعة وسط بين الجبن والتهور”. الفضيلة هي الاعتدال، لا تطرف ديني ولا تطرف علماني. قال بروتاغوراس: “الإنسان هو المعيار لكل شيء”.
لكننا نعيش انفصامًا حادًا بين “المعيار” و “العيار”! رجال دين يحملون السوط، يجلدون المرأة كل يوم: ممنوع عطر، ممنوع كعب، ممنوع حجاب ملون، ممنوع موسيقى، ممنوع اختلاط، ممنوع أن تحف إلا يوم عرسها! ممنوع الجم، الجامعة، حقوقك، طلاقك، صوتك، فرحتك، وأحلامك. أين هؤلاء من فكر المرأة، من إنسانيتها؟ ضاعت المرأة بين “المعيار” و “العيار”، بين “الشمة” و “المشموم”، بين الطاولة والتطاول، فضعفت الحضارة، وتراجع الإنسان.
نعم... تراجع الإنسان، توارى خلف الأيديولوجيا، تكومت روحه تحت ركام التخلف، وغرق في “التنافر المعرفي” بين أجمل المثل وأسوأ الواقع.
أين خطابهم من الجوع، من غزة، من الأطفال، من الركام؟ مازالوا يلاحقون المرأة في كل خطبة، كأنها “وجبة سندويش” دائمة الحضور! هذا يسمى في علم النفس Gaslighting - “الإضاءة الغازية”: شوْي العقول على نار المقدس، ثم تقديمها نيئة في ولائم اللحم النيء، وتوزيع عظامها سيارات فارهة لأحفاد الوعاظ. ينظر إليها فقراء القرية بعيون منطفئة، وسيجارة ندم تداس عند العتبة.
70 % من سكان الشرق الأوسط تحت سن الثلاثين - غالبيتهم بين بطالة، فقر، أو حرب، (تقرير الأمم المتحدة).
30 مليون طفل عربي خارج المدرسة، (اليونسكو).
900 مليار دولار خسائر الحروب في عشر سنوات فقط، (SCWA).
فكم هي كلفة حرب روسيا وأوكرانيا؟
نحن شعوب تعيش صدمة جماعية منذ 7 أكتوبر، تعاني من تشوش بين معنى الربح والخسارة ومازلنا نراهن أن الحرائق حدائق وأن التابوت أهم من الياقوت. في ظل هذا الحريق، علينا أن نركز على الأولويات: الوطن، القيادة، الشعب.
علينا أن نصطف كأدمغة، كنواص، كعظام على عظام، كرؤية تعلو الآفاق، وأن نبني قلعةً أقوى من “كركاسون” الفرنسية... لنحمي الوطن!
شبعنا هراءً عن المرأة، اتركوها وشأنها، أنتم لستم أوصياء، ولا وكلاء من السماء.
يكفي النعوش كروش والكروش نعوش...
ما أجمل المعيار... وما “أجهل” العيار.