العدد 5981
الجمعة 28 فبراير 2025
صراع عمالقة التقنية يتطلب التنظيم
الجمعة 28 فبراير 2025

التقنية الحديثة تتطور على مدار الساعة، وكل يوم يأتي بشأن مختلف وجديد. واليوم، مع تطور الذكاء الاصطناعي، وصلنا إلى مرحلة متقدمة لا نعرف ما عواقبها ولا إلى أين ستقودنا، بسبب التنافس الشديد فيما يتعلق بهذا الذكاء المصنوع بأيدينا لا بيد غيرنا.

لقد وصلت المنافسة والصراع، بل والحروب التقنية، بين أميركا والصين إلى مرحلة متقدمة جدًا. وما نراه اليوم كأمر واقع ربما لم يكن يتخيله أحد من خبراء الذكاء الاصطناعي. وذلك بعد أن تمكنت الصين من تجاوز بل والتخلص من الحظر التكنولوجي المفروض عليها، وقدمت الآن للعالم روبوت دردشة يتصدر قائمة التطبيقات التي أقبل المستخدمون على تحميلها من المتاجر الإلكترونية، مما أثر سلبًا على السوق التكنولوجية الأميركية وعلى العالم بشكل عام.

لقد استطاع “ديب سيك”، المنتج الصيني، أن يحظى باهتمام صناعة التكنولوجيا في الولايات المتحدة وخارجها، وذلك منذ أن صدر في نهاية العام الماضي. وعلى الرغم من الحظر المفروض على تصدير الرقائق الحاسوبية المتقدمة إلى الصين، إلا أنها تغلبت على هذا التحدي وتمكنت من صنع روبوت تقول إن تكلفته المادية لا تساوي شيئًا مقارنة بتكلفة “تشات جي بي تي” التابع لشركة “أوبن أيه آي” الأميركية، وقد تسبب هذا الوضع في خسارة كبيرة لشركة “إنفيديا” العملاقة لصناعة الرقائق.

قالت شركة “ديب سيك” إن نموذج الذكاء الاصطناعي الجديد مفتوح المصدر وتفوق على نماذج مايكروسوفت، وأنه يفتح عالماً جديدًا في معايير توليد الصور. وهكذا، أثبتت الصين أنها قادرة على العمل وإبهار العالم في كل الظروف. ومن هنا، تم فتح الباب على مصراعيه فيما يتعلق بالتقنية الخاصة بالذكاء الاصطناعي.

إن تطور التقنية مطلوب لأنه يفتح المجال لدخول منتجات تقنية يستفيد منها الجميع، وفي هذا فليتنافس المتنافسون. ولكن من دون شك، فإن الصين فاجأت العالم بإنتاج “ديب سيك”، وربما يكون في جعبتها منتجات أخرى ستظهر في وقتها. وبالطبع، فإن التقنية في يد الجميع ومنتشرة في جميع أنحاء العالم. هذا الصراع بين العملاقين أميركا والصين قد يستفز العقول التقنية الأخرى في العالم ويحفزها لإخراج ما في العقول إلى العالم المتعطش للتقنية ومنتجاتها. ونحن الآن في بداية صراع بين العمالقة، وسيتطور هذا الصراع إلى ما لا نهاية.

يقول الخبراء من أهل التقنية إن “تشات جي بي تي” لا يزال متفوقًا على “ديب سيك” في الأداء وتقديم النتائج، ومع ذلك، فإن التكلفة المنخفضة لتطوير وتدريب “ديب سيك” تجعله منافسًا قويًا في هذه التقنية في الوقت القريب. وهذا بالطبع سيمكنهم من تقديم خدماتهم قريبًا بأسعار زهيدة مقارنة مع منتجات الشركات الأميركية. ولكن هذا الصراع التقني سيستمر، وكل طرف سيجتهد في إنتاج ما يرضي فكر وطموح السوق. وستنتشر التقنية في مجال الذكاء الاصطناعي وتوابعه المتعددة، وستتطور المنتجات التقنية، وهذا أمر محمود ومفرح جدًا للجميع ولأصحاب الصناعة.

ولكن، في الجانب الآخر، هناك خطر داهم يجب الالتفات له والاستعداد لمجابهته، لأننا سنجد فراغًا في الجوانب التنظيمية والقانونية والمعايير الأخلاقية للذكاء الاصطناعي، التي ينادي الجميع بأهميتها وضرورة تطورها بنفس السرعة التي تتطور بها التقنية.

فهل هذا ممكن؟ وهل في مقدورنا تحقيق التوازن المطلوب بين الصناعة والتنظيم الضروري لدرء مخاطر الصناعة؟

في جميع الأحوال، هذا مطلوب ولا بد منه. وإلا، فإن آلة الذكاء الاصطناعي ستقوى على حساب الإنسان والذكاء الفطري، وهنا مكمن الخطر الذي يهدد البشرية. وهذا بأيدينا، لا بيد غيرنا. ولنستفيد من تجاربنا السابقة، على سبيل المثال، عندما تم اكتشاف السيارة كآلة خطرة قد تكون قاتلة، ولكننا نجد أنفسنا في داخلها وحولها دون خوف أو وجل. وكل هذا لأننا وضعنا قوانين وضوابط المرور. والآن، هناك ضوابط للسيارة بدون سائق. وبالمثل، نحتاج إلى هذه الضوابط في جميع منتجات الذكاء الاصطناعي مثل “ديب سيك” وغيرهم مما يأتي من رحم التقنية الولود.

الضوابط المطلوبة ليست للحد من التقنية أو كبح تطورها الطبيعي، بل لنتركها تسير وفق تطورها. ولكن الضوابط القانونية والأخلاقية مطلوبة عند تطبيق التقنية لفائدة البشرية. و”اعقلها وتوكل” هو توجيه ممن لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .