تلعب الشركات العائلية دورا كبيرا في دعم اقتصاد الدول خاصة وأنها تمارس العديد من المهام التي تحتاج لها المجتمعات بصفة دائمة لا يمكن الاستغناء عنها. إضافة لمساهمتها بفعالية في توظيف أعداد كبيرة وتقديم فرص العمل المناسبة. وفي العادة، تبدأ الشركات العائلية بصورة متواضعة بمجهودات الآباء والأجداد وتستمر في العمل حتى يتم توارثها جيلا عن جيل وفي هذا المشوار قد تزدهر بعضها وفي نفس الوقت، قد يسقط بعضها في الطريق، وتتعدد الأسباب.
الكثير من أصحاب الشركات العائلية يعتقدون عدم أهمية الاستعانة بأي أشخاص من خارج العائلة لأن الأمر يخص العائلة فقط. إضافة إلي أن هناك من يشعر بأن الاستعانة بالكفاءات “الخارجية” ربما يقود إلي التقليل من دورهم والاستغناء عنهم وإبعادهم عن بعض السلطات في الشركة. وأيضا، يعتقد بعضهم أن للعائلة منهج خاص وعادات متوارثة وأسرار دفينة وأصول متجذرة برائحة دم وعرق الآباء مما يستوجب الحفاظ عليها كأولوية قصوى وأن إدخال “الغرباء” ربما يستبعد هذه الأولويات لعدم فهمها أو ربما لا يستوعبونها لخصوصيتها.
إن مبادئ حوكمة الشركات، تنادي بأسس جديدة لإدارة الشركات وتتضمن موجهات متعلقة بالشركات العائلية وهذا يتطلب تعيين كفاءات لإدارة الشركات العائلية لضمان استمرارها لعدة أجيال حتى لو أدى ذلك للاستعانة بالغرباء من خارج العائلة. والمبدأ هنا، وجود الكفاءات بغض النظر عن علاقة الدم العائلية لأن الكفاءة هي المعيار السليم وليس درجة العلاقة الدموية حتى لو كانت من الدرجة الأولي أو الثانية.
ومما تهدف إليه الحوكمة الفصل التام في الإدارة بين العلاقة الشخصية والعلاقة المهنية المؤسسية خاصة وأن توفر هذا الفصل يجعل التنفيذي الإداري ينظر بصورة بعيدة عن المصالح وتضاربها لتحقيق أهداف الشركة ككيان قائم بذاته. والمعيار هنا، هل الأولوية للشركة كمؤسسة قائمة بذاتها أم الألولوية تظل للعائلة أولا. هذا قد يظهر في بعض القرارات مثلا قضية الجندرة حيث يظهر استئثار الذكور بالهيمنة علي إدارة الشركة بالرغم من وجود الكفاءات الأنثوية المقتدرة إذا أتيح لها المجال. وهنا، وجود التنفيذي من خارج العائلة في الهرم الإداري للشركة يعني وجود نظرة مختلفة ومستقلة عما يراه التنفيذي من العائلة. والأمثلة التي تبين تضارب المصالح أو تناقضها كثيرة مما قد يتطلب وجود تفكير مستقل وبعيد عن المؤثرات العائلية.
إن موضوع التوارث وانتقال السلطة من جيل لجيل يعتبر من أكبر المشاكل التي تواجه معظم الشركات العائلية، وذلك لعدم وجود الرؤية الواضحة والخطط المسبقة لتنظيم هذا الموضوع أو للسكوت التام عنه. وفي رأينا ان الموضوع يعتبر من النقاط الهامة التي تدعم وجود الكفاءات التنفيذية من خارج العائلة لأن وجودها يساعد في الاستمرارية لحين تجاوز مرحلة التوارث والانتقال أو لحين أعداد الكوادر الجديدة من العائلة لتسلق السلم في إدارة الشركة. وكل هذا يجب أن يتم في إطار الشفافية والإفصاح اللازمين كشروط أساسية في حوكمة الشركات.
إن نجاح دور التنفيذي من خارج العائلة لا يحتاج لقناعة أفراد العائلة فقط ونظرتهم الايجابية لمساعدة هذا الفرد لتحقيق مهمته بل يجب على هذا الشخص القادم من الخارج انتهاج السبل الكفيلة بمساعدته لتنفيذ دوره بنجاح. ومن هذه السبل مثلا، عليه التعمق في فهم التراث العائلي المرتبط بالشركة لدرجة تقمصه لهذا الدور وهذا قطعا سيجعله قريبا من أفراد العائلة على الأقل من الناحية الفكرية. ومع التشبع بهذا الدور عليه معرفة نقاط القوة التي يمكنه الاعتماد عليها مع ضرورة معرفة كيفية الاستفادة من هذه القوة، فمثلا قد يكون للأم أو الأخت الكبيرة مفعول السحر في الآخرين، أو كما يقولون ربما هي من يعد “الحساء المحبوب”، وهنا ربما يكون مناقشتها في الموضوع أمر هام لأخذ رأيها ومن ثم دفعها للتأثير على الآخرين. بمثل هذه التصرفات الحكيمة يستطيع التنفيذي من خارج العائلة النجاح وإثبات نجاحه بطريقة لا تبدو بطعم أو برائحة مختلفة لأفراد العائلة.
الشركات العائلية في العالم في تطور وتنظر في تجارب الآخرين مع استقطاب كل من يمكن الاستفادة منه لتلاقح الأفكار المتنوعة وبلورة الرؤى بصورة مشتركة، ولهذا تفتح عقلها وقلبها للآخرين ووضع كرسي لمن تختارهم في الطاولة العائلية وتكون الوجبة مشتركة يستفيد منها الجميع خاصة الشركة صاحبة الدعوة. وكمثال، شركة تويوتا العائلية العملاقة يستقطبون الكفاءات النادرة من خارج العائلة ويمنحونهم اسم العائلة ويضعوهم في قيادة الشركة، وهذا من أسباب نجاحهم الظاهر للعيان.
* المستشار والخبير القانوني