قيل إنك لو اكتشفت نفسك راكبا على حصان ميت، فإن أفضل الحلول وأبسطها هو أن تنزل من على صهوته وتتركه، غير أن الواقع الفعلي يفيد بأن هناك أفرادا بأناسهم ومجموعات بمؤسساتها وبلدانا بشعوبها بدلا من أن تنزل من على صهوة حصانها، تأتي بسرج جديد أو علف للحصان أو فارس آخر يركبه، أو عزل وتبديل الموظف الذي يتولى رعايته أو عقد اجتماعات لمناقشة إجراءات زيادة سرعة الحصان أو تشكيل فرق تعمل لدراسة الحصان الميت أو رفع تقارير ومقترحات من أجل حل مشكلة هذا الحصان “الميت”، بل وتجدهم “يكابرون” في قول الحقيقة و”يوصون” بحاجته للتدريب على الرغم من أنه “ميت” لكي يقنِعوا أنفسهم ومنْ حولهم بأنه “حي” يرزق!
هذا ما تحدثوا به في محاولاتهم الفاشلة سبيلا لتجنب الاعتراف بالمشكلة أو محاولة معالجتها من أجل بقائهم في حالة “الإنكار” للواقع الذي يضيع فيه الوقت ويهدر من أجله الجهد وتفقد لسببه الموارد؛ لترتد تداعيات محاولاتهم السلبية على الأفراد والمجتمعات التي كلما اتسعت دائرتها اضطروا لدفع ثمنها الأكبر - وفق علماء نفس السلوك البشري - الذي يختار فيها الشخص سلوكا كهذا - أي إنكار الواقع - وسيلة لتجنب الحقائق البائنة وحجب التجارب الناجحة ورفض المفاهيم الغالبة؛ لإحلال الأفكار المتطرفة والميول الجدلية والتوجهات المزعجة عبر مجموعة من الحيل الدفاعية المنكرة للحقائق الظاهرة بواقعيتها والأفكار الصائبة بعقلانيتها التي غالبا ما تحدث دون وعي كامل بوقوعها؛ لعلة يتيمة يقودها الشعور بالحزن والذنب والتهديد بآلياتها الإنكارية والإزاحية المختلفة. (
نافلة:إلقاء اللوم على الآخرين قبال مشاكلك أو مسؤولياتك أو ما شابه، واحد من الأساليب “الإنكارية” التي تعبر عن سلوك دفاعي طبيعي في استيعاب الأحداث الصعبة والتأني في مواجهتها وحسن التصرف في التعامل معها، إلا أنها في ذات الوقت تستنفد قدرا لا يستهان به من الطاقة العقلية، وعجزا عن السيطرة على الحياة حين الانغماس العميق الذي يضر أكثر مما ينفع، وكأنه ذاك المريض الذي مات بعد نجاح العملية؛ ما يتطلب احتواءه ومواجهته بالمحافظة على وجود الداعمين والتعمق في الفهم والاستيعاب والتعامل مع الأسباب والمخاوف والعواقب، والتعبير عن الأفكار والمشاعر بالتدوين أو الحديث مع الثقات والمتخصصين في أساليب التأقلم السليمة وطرق التعامل الصحية، التي كثيرا ما تحث على انتهاز فرص التغيير وتقبل الواقع ومواجهة المخاوف بعيدا عن تنظيرات الحصان الميت الهالكة.
كاتب وأكاديمي بحريني