شكل الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة، فريق خبراء برئاسة الدكتور محمود محيي الدين، الخبير الدولي ورئيس الجمعية العربية للبحوث الاقتصادية، والمبعوث الخاص للأمم المتحدة لتمويل التنمية المستدامة 2030. وتأتي هذه الخطوة في ظل معاناة العديد من الدول من أعباء خدمة الديون التي تهدد استقرارها الاقتصادي والاجتماعي، مع غياب استجابة عالمية كافية حتى الآن.
وفي مقال من عدة أيام للدكتور محمود محيي الدين تحت عنوان “عن مفاسد الاستدانة وفتات العون الإنمائي”، أشار إلى أن الدول النامية أنفقت على خدمة ديونها ما يقرب من 1.4 تريليون دولار، منها نحو 400 مليار مثلت فوائد تلك الديون، منوها إلى حقيقة أن نحو 10 % فقط من إجمالي الديون العالمية تمثل مديونية رسمية، ميسرة، أي لدائنين من نادي باريس، ما يعني من جهة أنها ديون تجارية أعباؤها مرتفعة، ومن جهة أخرى أنها شكلت ضغوطا كبيرة على السيولة العالمية، وبالتالي على مزاحمة تمويل الاستثمار الخاص عالميا.
ولا شك أن تشكيل هذه اللجنة يمثل تحولا مهما في جهود الأمم المتحدة. ويُتوقع أن ما سيقوم به الفريق المُشكل من عمل تجاه تطوير حلول ذات سياسات قابلة للتنفيذ لمواجهة أزمة الديون، وحشد الدعم السياسي والجماهيري اللازم لتطبيق هذه الحلول، سيشكل أساسا مهما للمؤتمر الدولي الرابع لتمويل التنمية “FFD4”، المزمع عقده في إشبيلية، إسبانيا، في منتصف العام المقبل؛ ذلك أن المؤتمر يعد مسارا دوليا حكوميا تحت مظلة الأمم المتحدة.
ولعل الحكومات الدائنة تفر نحو مساعدة الدول المدينة في إيجاد حلول لتخفيف وطأة الديون، عبر مبادلات استثمارية، أو شراء نوعي استثماري للديون، أو تقديم دعم مالي لجهود تنموية في الدول النامية المدينة، في ظل ضعف، بل انعدام توجه تلك الدول نحو الإنفاق على التنمية، نظرا لوضع سداد الديون بفوائدها وأقساطها على سلم الأوليات، وتقليل أو إلغاء أوجه الإنفاق الرأسمالي أو التنموي بشكل كبير.
بيد أن المشكلة التي لا بد من الاعتراف بها، هي أن المطلب الحقيقي للتعامل مع أزمة المديونية، التي لا يمكن حلها بشكل مطلق، يكمن في أن تسعى اللجنة لحث الدول المدينة جميعها لوضع آلية حقيقية ومؤسسية لإدارة الدين العام.
فمعظم تلك الدول استسهل الاستدانة، واستسهل سدادها من خلال استدانة جديدة، ونسي تماما أهمية إنشاء إدارة للدين العام، لا تقوم فقط بإدارة ملف سداد الديون، بل تضع أولويات حقيقية وشروطا قاسية للجوء إلى أي مديونية جديدة، وتقدم حلولا عملية لتحويل بعض من الديون إلى استثمارات، عبر أطراف مهتمة بالاستثمار في الدولة، أو مستعدة لشراء الديون لمبادلتها باستثمارات حقيقية.
أزمة المديونية قد تستعصي على الحل بشكل شامل وكامل، ولكنها ليست عصية على حسن الإدارة والانضباط المالي، ونوبة استيقاظ حقيقية قبل فوات الأوان.