العدد 5888
الأربعاء 27 نوفمبر 2024
السوشال ميديا ومستقبل الأجيال
الأربعاء 27 نوفمبر 2024

 من بين أخطر المعطيات التي باتت تؤثر على مستقبل الأجيال القادمة، الحديث عن وسائط الإعلام الحديثة، أو ما يعرف بـ “السوشال ميديا”، والتي باتت تمثل خطورة فائقة على عقول البشر صغارًا وكبارًا. يقول المؤرخون إنه في زمن الامبراطورية الرومانية، كان من يعطي الخبز، هو عينه الذي يفرض لوائح الشرائع التي تلائمه. اليوم ونحن على مقربة من منتصف العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، يمكننا القطع بأن وسائل التواصل هذه، والتي غيرت الأوضاع وبدلت الطباع، هي من تلعب دور الخبز قبل ألفي عام. والشاهد أنه في ستينيات القرن الماضي، تحدّث عالم الاجتماع الكندي الشهير، مارشال ماكلوهان، عما أسماه بـ “القرية الكونية”، في ذلك الوقت كانت الاتصالات السلكية هي السائدة، والهواتف المنزلية هي قمة تكنولوجيا التواصل البشري. اليوم تبدو قرية ماكلوهان متوارية بعيدة عن الأنظار، وباتت الكرة الأرضية، صندوقًا صغيرًا، بحجم الهواتف الذكية، صندوق الدنيا إن جاز التعبير.
لقد أضحى هذا الصندوق، بمثابة كاميرا متنقلة، وحاسب آلي، ووسيلة اتصال، وتلفزيون، وإذاعة، وصحيفة، ثم لم يلبث أن بات أداة لضبط أحوال الجسم البشري، من منظم لضربات القلب، إلى قياس ضغط الدم، ومنبه في حالة الأزمات الصحية الطارئة، وجميعها أمور محمودة، غير أن الإغراق وراء تلك الشاشة، سيما في ظل ما تقدمه من مغريات وترفيه وتسلية، بات يؤثر على توجهات الأجيال الشابة التي أضحت قولًا وفعلًا، تفضل العزلة على المشاركة، والشخصانية على الموضوعية، الأمر الذي بدأ يتنبّه له علماء النفس والاجتماع، وبنوع خاص في دول العالم المتقدم، أو ما يسمى بالعالم الأول. 

والمعروف أنه قبل عدة عقود كانت بعض الدول الإسكندنافية الحريصة على معدلات العلاقات الاجتماعية، والساعية للحفاظ على الروابط الأسرية، تمنع البث التلفزيوني في ليالي العطلات والأعياد، لتتيح للأسر التجمع والتآخي والتعاضد، ضمن المعروف والمألوف في أوساط البشر الطبيعيين.
لسنا بحاجة إلى القول إن هذا كله بات أثرًا بعد عين، خصوصًا بعد انفجار تواصل الأقمار الاصطناعية في الفضاء، مع أجهزة النقل المباشر على الأرض.
لماذا الحديث عن هذه الإشكالية في الوقت الحاضر؟
قبل بضعة أسابيع أعلن رئيس الوزراء الأسترالي، أنتوني ألبانيزي، عن أن حكومته أعدّت مشروع قانون يمنع المراهقين دون 14 عامًا أو حتى دون 16 عامًا من استخدام مواقع التواصل الاجتماعي. 
في تبريره يقول ألبانيزي، إنه يأمل أن يدخل مشروع القانون حيّز التنفيذ اعتبارًا من العام الحالي، مشددًا على أنه يفضل أن يرى الأطفال يمضون وقتهم في الملاعب، بدلًا من رؤيتهم يلعبون على شاشات الهواتف أو الأجهزة اللوحية. 
في المشروع ذاته، يصف رئيس الوزراء مواقع التواصل الاجتماعي بأنها “آفة” للأطفال، ولهذا فإنه سيتم إجراء اختبار للتحقق من عمر المستخدم عند اتصاله بهذه المواقع في الأشهر المقبلة قبل أن يدخل القانون حيز التنفيذ.
يبدو المنطلق الرئيس لمشروع القانون الأسترالي هو محاولة استرداد الإنسانية التي بدأت في الذوبان، لاسيما مع التقدم التكنولوجي السريع والخطير الذي تجري به الأقدار من حولنا. 
هل سيتم إقرار مثل هذا القانون بالفعل؟
العقلاء والحكماء في الداخل الأسترالي، يقولون.. إننا نريد أن نرى أولادنا يخوضون تجارب حقيقية مع أناس حقيقيين، لا أن يتمترسوا وراء ما يطلق عليه العالم الرقمي.
هل من هول أعظم قادم قد يكون أكثر خطورة على الأجيال القادمة؟
حكمًا نعني بالأمر، عالم الذكاء الاصطناعي القائم، والذي يليه بالضرورة السوبر ذكاء اصطناعي القادم، وجميعها أدوات مستقبلية حكما ستغير الأوضاع وتبدل الطباع، وتخلق عوالم غير مسبوقة، تتداخل فيها الحقيقة مع الضلال، وتتشابك الآمال مع الأوهام.
أي عالم سوف نتركه للأجيال القادمة.. ما رأيكم دام فضلكم في مشروع القانون الأسترالي الجديد، وهل تراه سيجد حظه في التنفيذ بالفعل، أم أن قوى السوق وجماعات الضغط الخاصة بصناعة تلك التكنولوجيات، ستقف حائلًا دون تطبيقه، من أجل تحقيق مكاسب سريعة، حتى ولو كان ذلك على حساب مستقبل الأجيال القادمة؟.

كاتب مصري خبير في الشؤون الدولية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية