العدد 5882
الخميس 21 نوفمبر 2024
روسيا والأبوكاليبس النووي الأميركي
الخميس 21 نوفمبر 2024

 هل تسعى إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن إلى إشعال العالم قبل أن تغادر البيت الأبيض بعد قرابة شهرين من الزمن؟ الذين لهم دالة على فهم المصطلحات السياسية الأميركية يدركون أن تعبير “الأبوكاليبس”، يحمل في طياته حديثًا عن التهديد النووي الذي يمكن أن يعرض المسكونة وساكنيها إلى النهاية المفجعة، والدخول في أزمنة الشتاء النووي، ودفع الكوكب المعتل والمختل نحو المزيد من الدمار والهلاك. ما الذي جرت به المقادير ويدفعنا للحديث في هذا السياق؟
باختصار غير مخل تتردد في العاصمة الأميركية واشنطن أنباء عن توجهات أميركية بقيادة بايدن، تدفع كييف في طريق استخدام الأسلحة التي تطول العمق الروسي، سواء كانت صواريخ “أتاكمز” والتي يبلغ مداها 300 كيلومتر، أو “هيمارس” ذات البعد 150 كيلومترًا، وكلاهما يمكن له أن يتسبّب في تعريض الأمن القومي الروسي في الداخل إلى أعطاب كبيرة، مقلقة ومزعجة. لا يتوقف المشهد عند هذا الحد، بل يتجاوزه إلى السماح لمقاولي وزارة الدفاع الأميركية بمساعدة الجيش الأوكراني في التدريب على استخدام بطاريات الدفاع الصاروخي المعروفة باتريوت، عطفًا على الطائرات النفاثة المقاتلة “أف – 16”. هل هذا كل ما في الأمر؟ غالب الظن أن هناك ما ورائيات أخرى، غير معلنة، وتدخل ضمن صفقة المليارات السبعة التي وعدت إدارة بايدن بتزويد أوكرانيا بها، ومؤكد أنها تشتمل على الكثير من البنود العسكرية التي لم يعلن عنها بالكامل بعد. ما الذي يبغيه بايدن من هذه الأمور الإجرائية شديدة الخطورة على روسيا من جهة، وعلى السلم العالمي من جهة تالية؟ من الواضح أن تيار اليسار الديمقراطي الحاكم بقوة، إلى أجل قريب، يسعى إلى تعزيز وضع زيلينسكي وصحبه في المعركة مع الروس، قبل أن يغادر. 

وتأتي إدارة دونالد ترامب، تلك التي يبدو أنها غير راضية عن أعمال القتال والحرب التي تقترب من عامها الثالث.
هل المزيد من النيران هو حل الأزمة الأوكرانية؟
 المؤكد أن بايدن لا تسعفه ذاكرته على تذكر مقولة “الدب لا يقيد”، كما أن ثمن هزيمة دولة نووية عظمى، سيكون إمساك النيران بتلابيب الجميع، شرقًا وغربًا، ومن دون أدنى مقدرة على إطفاء الحرائق. هنا يقول البعض إن الأميركيين يسعون إلى معاقبة روسيا بنوع خاص، بعد انضمام قوات من كوريا الشمالية إلى مقاتليهم، والخوف من تمدد الحلف الروسي – الصيني - الكوري الشمالي، ما يعني خلق كتلة عسكرية مزعجة للناتو بالقرب من المحيط الهادئ.
قد يكون هذا أمرًا صحيحًا بالفعل، غير أن ما لا يعرفه أحد هو ردات الفعل الروسية، وما إذا كانت مثل هذه المحاولات سترغم بوتين على وقف إطلاق النار، واللجوء إلى التهدئة، ربما كعربون للتفاهم القادم مع إدارة ترامب، أو العكس، بمعنى المضي قدمًا في مواجهة لا تبقي ولا تذر.
في الثاني عشر من سبتمبر المنصرم أشار بوتين إلى أن القوات الأوكرانية غير قادرة على ضرب عمق روسيا بأسلحة غربية بعيدة المدى، من دون مساعدة عسكرية من الناتو، وبيانات استخبارية من أقماره الاصطناعية.
بوتين قطع بأنه حال حدوث ذلك، فإن الأمر يعني مشاركة مباشرة من دول الحلفاء والولايات المتحدة في الحرب الأوكرانية، ما سيغير بشكل كبير جوهر وطبيعة الصراع.
هل يعني ذلك أن الروس يمكنهم أن يخاطروا بالانجرار في حرب عالمية نووية؟
مؤكد أن هناك سيناريوهات عسكرية تستبق الوصول إلى هذه النقطة الحرجة، وتبدأ من عند الرد بأسلحة تقليدية موجعة عبر الصواريخ الفرط صوتية، والمنطلقة من الغواصات النووية في المياه المحيطة بالقارة الأوروبية أول الأمر، وغالبًا ما ستكون من غير رؤوس نووية.
الأمر لاحقًا يعتمد على فكرة “ميزان الانتباه العسكري”، بمعنى هل سيرتدع الناتو، أم سيمضي قدمًا في المزيد من الضربات الموجعة لروسيا، مثل إصابة محطة “كورسك النووية”، والتي تقع على بعد 600 كيلومتر من حدود أوكرانيا. 
 هنا تبدو إصابة مثل هذه الأهداف الاستراتيجية أمرًا كارثيًّا على الروس، اقتصاديًّا وعسكريًّا، وساعتها يمكن أن نرى ضربات نووية تكتيكية، تعقبها ضربات نووية استراتيجية حال رد الناتو.
هل ينتقم بايدن من الديمقراطيين الذين أزاحوه، أم من الجمهوريين الذين سيرثوه؟
مؤكد أنه ناقم على العالم برمته الذي سخر منه كثيرًا، إلى درجة محاولة زجّه في لهيب معركة أبوكاليبسية ومحرقة نووية.

كاتب مصري خبير في الشؤون الدولية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .