كلما مرّت بي كلمة صفقة انتابني شعور بأنها ستكون أقرب إلى الفشل أو الانتهازية أو ما شابه ذلك؛ فكلمة صفقة ارتبطت في مخيّلتي باستغلال طرف لواقع محدّد على حساب طرف آخر، وإن كانت في ظاهرها تدل على تحقيق مصلحة للطرفين، ولنا في صفقة القرن خير مثال. تحضرني هذه الهواجس الآن عند الحديث عن مفاوضات وقف إطلاق النار في غزة ووصفها بصفقة قد يتمّ بمقتضاها تبادل الأسرى المحتجزين لدى حركة المقاومة الإسلامية حماس بآخرين فلسطينيين معتقلين منذ سنوات في سجون الاحتلال مع تحقيق بعض المكاسب لأهالي قطاع غزة مثل رفع الحصار وربما إعادة الإعمار.
هذه الصفقة ظلت تراوح مكانها، وظلّت العمليات العسكرية متواصلة دون هوادة، ليطل علينا منذ أيام قليلة وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن ويعلن أنّ رئيس وزراء إسرائيل قبِل المقترح الأميركي الجديد، ثم لا يلبث نتنياهو نفسه ليعود بعد ساعات ويجدد التأكيد على شروطه بما يعني عمليا إبطال صفقة تبادل الأسرى. أما حركة المقاومة حماس، فقد ظلت ثابتة على موقفها معربة عن التزامها واستعدادها الفوري لتنفيذ ما وافقت عليه في 2 يوليو الماضي، بناء على إعلان الرئيس الأميركي جو بايدن يوم 31 مايو الماضي وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2735 بتاريخ 11 يونيو الماضي. لكن في الوقت الذي يسعى فيه الوسطاء إلى جعل بنود هذا المقترح واقعا ملموسا، يردّ نتنياهو بمزيد من المجازر (مجزرة المواصي، مجزرة مدرسة التابعين في حي الدرج في غزة..)، ويزيد في وتيرة الاغتيال حتى مع من كان يتفاوض معهم (اغتيال رئيس الحركة إسماعيل هنية في طهران..)، ومن جهتها تتهم الإدارة الأميركية حماس بالتراجع عن الاتفاق. وتحت هذا الغطاء، وفي ظل الصمت الدولي والعجز العربي والإسلامي، يرفع نتنياهو سقف مطالبه وشروطه لتعطيل المفاوضات بالرغم من الضغط الداخلي المسلط عليه من عائلات الأسرى المحتجزين لدى حماس، ويستغل قوته العسكرية، وتواطؤ الإدارة الأميركية وانحيازها التام للاحتلال، بل والشراكة في العدوان وحرب الإبادة الجماعية ضد أهالي غزة.
بهذا الشكل تحوّلت “الصفقة” إلى صفاقة صهيو-أميركية، والعمليات العسكرية إلى عربدة فاشية، ويتّضح بالكاشف أنّنا أمام فوضى دولية، تستهين فيها الصهيونيّة العالمية بالمجتمع الدولي في تجاهلٍ تامّ لقرار مجلس الأمن الدولي بوقف إطلاق النار، وأوامر محكمة العدل الدولية باتخاذ تدابير لمنع أعمال الإبادة الجماعية وتحسين الوضع الإنساني الكارثي في غزة.