الميزانية العامة السعودية للعام الجديد 2024، هي استمرار للميزانيات التريليونية المتتالية منذ العام 2018. وهي توسعية من حيث إنها تخصص مزيدًا من الأموال للإنفاق الرأس مالي على رغم تسجيل عجز، الذي يمكن اعتباره عجزًا اختياريًا، من حيث المفاضلة بين أمرين: إما الإنفاق وفق ما هو متاح من إيرادات بحيث يكون هناك توازن تام بين الإيرادات والمصروفات، وعند اتباع هذا الخيار فلن تسجل الميزانية عجزًا، أو الإنفاق وفق الاحتياجات التمويلية لبرامج تنموية واستثمارية حكومية تدعم تحقيق رؤية 2030 ومستهدفاتها، مؤكدًا أن الخيار الثاني هو الذي فضلته الحكومة. هذه السياسة المالية أصبحت واضحة عند الأخذ في الاعتبار أن توجه السياسة المالية التوسعية للحكومة هو تحقيق رؤية 2030، وما يتطلبه الإنفاق على البرامج والالتزامات الجارية الأخرى، وليس وفقًا لما هو متاح من إيرادات واردة للخزانة العامة. وتملك السعودية الجدارة الائتمانية للتحرك ضمن فسحة مالية (fiscal spac) مريحة، تمكنها من الاقتراض من السوق الدولية بأسعار من بين الأكثر تنافسيةً، وعادة تشهد الإصدارات تغطيات بأضعاف السقف المطلوب استدانته. ومن جانب آخر، فمن أهم سمات الإنفاق التوسعي مواصلة زخم الإنفاق الرأسمالي، إذ من الملاحظ أن الارتفاع تجاوزت نسبته 29 % في العام 2023 مقارنة بالعام 2022، ورصد 189 مليار ريال للإنفاق الرأسمالي للعام 2024.
وفيما يتصل بالأداء الاقتصادي، فقد عايشت خلاله السوق النفطية تحديًا محوريًا اضطرت السعودية لمجابهته. ففي العام 2022 كانت السعودية من ضمن الأعلى نموًا بنسبة نمو 8.7 %، فيما شهد العام 2023 تحديات اقتصادية أبرزها تراجع إيرادات النفط؛ وذلك بسبب التخفيض الطوعي لإنتاج النفط السعودي، لينخفض - نتيجة لذلك - الإنتاج من أكثر من 10 ملايين برميل يوميًا إلى 9 ملايين فقط. ومن المتوقع أن يتجاوز نمو الناتج المحلي الحقيقي 4 % في العام 2024، مسجلًا نموًا مريحًا وقفزة عن النمو الحقيقي في الناتج المحلي الإجمالي العام 2023 الذي لم يتجاوز 0.3 %، وسيكون النمو في العام 2024 مرتكزًا في الأساس على نمو الأنشطة غير النفطية، والتي كان لها دور في تحصين الاقتصاد السعودي من الدخول في انكماش في العام 2023، إذ يشار إلى أن الأنشطة غير النفطية، وتحديدًا أنشطة القطاع الخاص حققت نموًا متواصلًا منذ الربع الرابع العام 2021.
وفي المحصلة، فإن سياسة تعزيز الانفتاح اقتصادي تتحرك بسمت يتسق مع الإستراتيجيات المعلنة، من خلال توفير العديد من الحوافز للمستثمرين الأجانب، والسعي دائمًا للارتقاء بجاذبية بيئة الاستثمار المحلي والأجنبي، عبر تسهيل إجراءات تأسيس الأعمال وإصدار التنظيمات واللوائح، واللجوء إلى خيارات جديدة لحفز النمو والتنويع الاقتصادي، مثل إنشاء 4 مناطق اقتصادية متخصصة ستشكل فرقًا في استقطاب الاستثمارات الأجنبية النوعية، هذا على سبيل المثال لا الحصر.
ويحتل القطاع النفطي أهمية واضحة في الاقتصاد السعودي، ولكن نمو القطاع غير النفطي بدأ يأخذ مسارًا مستقلًا ويسجل نموًا صحيًا أقل تأثرًا بارتفاعات وانخفاضات أسعار النفط، في الوقت نفسه هناك توجه نحو قطاعات جديدة تحقق التنوع وتعمق مساهمة القطاع الخاص، وفي الوقت نفسه لها أثر إيجابي على ميزان المدفوعات مثل قطاع السياحة، الذي بدأ يسجل فائضًا، بينما هناك بعض الأنشطة التي تحتاج مزيدًا من الوقت لتثمر مشاريعها الجديدة، مثل قطاعي الصناعة والتعدين اللذين يشهدان تنفيذ مشاريع عملاقة ستظهر آثارها الإيجابية مستقبلًا.