العدد 5529
الإثنين 04 ديسمبر 2023
الحياد الكربوني... يحققهُ أُفُول النفط أم أفول الانبعاثات؟!
الإثنين 04 ديسمبر 2023

هجمة غير مسبوقة تشنها الدوائر الغربية على مؤتمر “كوب 28”؛ بسبب انعقادها في دولة نفطية، وبسبب ترؤس رئيس شركة نفطية للمؤتمر، ولعل في الإشارة للعناوين الرئيسية لبعض للصحف العالمية ما يكفي. أما الأمر الملفت، فهو أن المستهدفات وضعت ارتكازاً على اتفاق باريس العام 2015؛ للإبقاء على ظاهرة الاحتباس الحراري عند مستوى لا يزيد عن 1.5 درجة مئوية، مما يتطلب خفض الانبعاثات بنسبة 45 بالمئة مرحلياً بحلول عام 2030، وصولاً إلى الحياد الصفري بحلول العام 2050، إلا إصبع الاتهام يتجه إلى “الوقود الأحفوري”، رغم أن الدول المستهلكة الرئيسية لا تقوم بما يكفي لتحقيق المستهدفات التي حددتها هي. يقود هذا الجدل، الذي يتسم بدرجة كبيرة من الإيهام، المهتمين بالبيئة اهتماماً ينحصر في المستهدفات دون الاكتراث كثيراً بكيفية تحقيق ما مطلوب للوصول إلى المستهدفات، فنحو 60 % من الانبعاثات الكربونية تأتي من:
- الصين (31 %)
- أمريكا (14 %)
- الاتحاد الأوروبي (8 %)
- الهند (7 %)
وهكذا، فالدول الصناعية الكبرى والاقتصادات الناشئة الكبرى مثل الصين والهند، هي أكثر من يُولّد انبعاثات الكربون.
- وهكذا، فنجاح أو فشل أي التزام يبقى لدرجة كبيرة رهنًا بخفض الانبعاثات الناتجة عن أنشطة تلك الدول. فضلاً، عن أن الجدل انحرف ليركز تحميل المسؤولية على الدول المنتجة للوقود الأحفوري، وفي ذلك الكثير من الزئبقية والسعي للتملص من الالتزامات، لاعتبارين رئيسين: 
الأول: أن الدول الصناعية ما برحت تنتج وتستخدم الوقود الأحفوري كما هو الحال في دول الاتحاد الأوروبي، فالفحم ينتج ويستهلك في العديد منها. فألمانيا - على سبيل المثال لا الحصر - وضعت خطة للتوقف عن استخدام الفحم في العام 2030، لكنها لا تزال تنتجه وتحرقه وتلوث البيئة بانبعاثاته. 
الثاني: الحديث عن “ذروة النفط”، في حين أن التناول ينبغي أن يوجه إلى “ذروة الانبعاثات”، إذ إن زخم إنتاج النفط يعتمد على الطلب على النفط، وليس على العرض. والطلب بيد المستهلكين. فهل الدول المستهلكة تستطيع الالتزام بأن ذروة طلبها على النفط والغاز ستكون في العام 2030، وبعد ذلك سيكون معدل نمو الطلب سلبياً؟!
ومما لا يدعو للوثوق بتلك الدعويين، هو أن الانبعاثات الكربونية لم تتراجع منذ مؤتمر باريس (العام 2015)، بل زادتّ، حيث كانت 35.56 جيجا طن في العام 2015، ويقدر أنها ارتفعت إلى 37.5 جيجيا طن في العام 2022.
ودون الدخول في دهاليز نظرية المؤامرة، إلا أن أحد أسباب عدم النجاح هو أن ثمة تيارا - ممن يقولون إن منطلقهم هو اهتمامهم بالبيئة - يبدو أنه ليس حريصا على خفض الانبعاثات بقدر حرصه على محاربة الوقود الأحفوري بكل وسيلة، معتبراً أنه لابد من التخلص من النفط والغاز تحديداً، دون تقديم خيار مجدٍ ليحل محلهما، ودون اتباع خارطة طريق قابلة للتنفيذ وصولاً لتلك المستهدفات القائمة على رغبات لا يساندها التزام وتحققها موارد. 
وفي مقدمة قائمة هذا التيار، وكالة الطاقة الدولية، التي أسستها الدول المستهلكة للوقود الأحفوري؛ لمجابهة الدول المنتجة، لتقوم الوكالة بإدارة الطلب تارةً، وباستهداف صناعة النفط تارةً، وبالتبشير بعصر أفول النفط تارةً أخرى. وفي سبيل ذلك هي تضع توقعات غير منطقية، بناءً - فيما يبدو- على تغذية نماذج التنبؤ لديها بافتراضات عاطفية أكثر من كونها قائمة على مواءمة والتزامات محفورة في الصخر من قبل الدول، والنتيجة الشاخصة هي ما يشهده العالم من تمزق وفشل في تحقيق المستهدفات.
 

صحيفة البلاد

2024 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .