العدد 5484
الجمعة 20 أكتوبر 2023
زمن العبث وفقدان المعنى
الجمعة 20 أكتوبر 2023

منذ اندلاع عملية "طوفان الأقصى" والردّ عليها بعملية "السيوف الحديدية"، كنْتُ أحاول أن أكتب أو أن أطلب من عقلي أن يفكّر فيما يُمكن أن يُكتَبَ، فلم أستطعْ إلى ذلك سبيلا؛ فالحدث أكبر من الحديث، والفِعال تنوء بها الأقوال، وصرخة الكلمات في المقال لا تساوي مثقال ذرة من صرخة طفل في العراء أو تحت الأنقاض.

فتحتُ صُحفا، وقرأت مقالات ومقالات، فوجدتها اكتظّت بكلمات فقدت معانيها مع استمرار قصف قوّات الاحتلال الإسرائيلي للمدنيين العزّل في قطاع غزّة، كلمات كثيرا ما تغنّينا بها ورفعناها شعارات، ودافعنا عنها، كلمات ذهبت هباء منثورا؛ فلا عادت تحمل تلك المعاني ولا عادت تسمن ولا تغني من جوع. ومن هذه الكلمات: السلام، السلام العادل، العدالة، الإنصاف، الحقّ في تقرير المصير، الحقوق المشروعة، منظمة الأمم المتحدة، جامعة الدول العربية، نندّد، خيار استراتيجي عربي، ندين، ضبط النفس، منظّمة المؤتمر الإسلامي، نشجب، الأرض مقابل السلام، نتعاطف، اتفاقية جنيف، حماية حقوق الإنسان الأساسية في حالة الحرب، نبارك، الصليب الأحمر، حقّ الحياة، الحقوق الكونية، التعاون الدولي، التسامح، التعايش، الاستقرار في المنطقة، حلّ الدولتين، حل عادل وشامل ودائم للصراع العربي - الإسرائيلي، حقوق الطفل، منظّمة اليونيسيف، برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، حريّة، استقلال، مبادئ القانون، الإنسانية، خارطة الطريق، التدابير الضرورية لحماية أرواح المدنيين، الديمقراطية، النضال السلمي، مأساة إنسانيّة، صوت العقل والضمير، تحقيق سلام شامل ودائم لكافة الأطراف، الموضوعية، السياسة، الموقف الدولي، الانتصار للقضايا العادلة، إدانة، قرار دولي رقم...، حقوق الشعب الفلسطيني، مجلس الأمن، دول عدم الانحياز... وقائمة أخرى من الكلمات وعشرات ومئات المفردات والمصطلحات طالما تصدّعت بها رؤوسنا من كثرة ما سمعناها وقرأناها واجترّتها وسائل الإعلام تطبيلا وتزيينا وتزييفا للحقائق.. ما عادت صالحة للتداول.

إنها كلمات لقيت حتفها، ولفظت أنفاسها الأخيرة وصعدت مدلولاتها إلى بارئها، كلمات تفقد معناها، وإذا فقدنا المعنى فنحن في عبث دون جدوى.

يشهد العالم "حالة من العبث" ليس فيها من فضل سوى أنها ردّت القضية الفلسطينية إلى أعلى سلّم اهتمام العالم بأسره، أرجعت البوصلة نحو فلسطين، فهذا التضامن العالمي منقطع النظير مع الأبرياء في غزة ينتظر يوما تعود فيه للعرب الأنفةُ والعزّة، وللعالم الحر صوتُ الحقّ.

اليوم، يعود الفلسطيني من جديد محلّ إجماع أحرار العالم؛ فهو صاحب أعدل قضية في القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين؛ لكن مع الأسف يدفع ضريبة الانقسام وتشتّت المواقف الداخلية وغياب المواقف العربية والإسلامية التي تحمي حقوقه وتصون ثوابته ومقدّساته.

هكذا أرى المشهد الآن لحظة كتابة هذه الكلمات، ولا أدري إن ستبقى صالحة إلى حين نشرها.. تسارعٌ كبيرٌ للأحداث تفقد فيه الكلمات معانيها يوما بعد يوم.. فهل سيتحفنا المنظّرون والسياسيون بكلمات أخرى نجترّها من جديد؟.

كاتب تونسي

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية