قد يكون محض صدفة جميلة أنْ تَقاربَ موعد "اليوم الدولي لنبذ العنف" الموافق للثاني من أكتوبر، و"يوم المعلم العالمي" الموافق للخامس من أكتوبر من كلّ عام؛ ففي الأوّل يتجدّد التزام الجميع بقضية السلام، أمّ القضايا الإنسانيّة على الدوام مع إحياء ذِكرى ميلاد المهاتما غاندي، الملهم والمعلم، وفي الثاني نحتفي بالمعلّم ورسالته ودوره في بناء الأجيال.
إنّ العلاقة بين هذه الذكرى وتلك وطيدة وعميقة؛ فَلقد عانينا ومازلنا نعاني من خطر العنف المتولد عن الإرهاب باسم الدين أو المذهب أو الطائفة أو العرق أو اللون، وليس بعيدا عنّا ما أتاه تجار الموت، ولا يزالون، في العراق وسوريا وليبيا وأفغانستان، وفي بعض البلدان الأوروبية أيضا، ولئن استطاعت بعض الدول الحدّ منه في السنوات الأخيرة، فإنّ أسبابه لا تزال قائمة، ولا يزال هذا العنف والإرهاب أداة في يد تجار الموت يُوقدونه حينا ويطفئونه حينا آخر، فيتحوّل إلى خلايا نائمة تنتظر الأوامر من جديد.
ولا يمكن القضاء على هذا السرطان إلاّ بنشر ثقافة نبذ العنف، وتعزيز السلام، وفي هذا السياق يكون للمدرسة والمربي الدور الجليل والخطير، وإذْ أقفُ إجلالاً وتقديراً لكلّ معلّم ومعلمة في بلادنا وفي كل بلاد العالم، فلا يسعني إلاّ أنْ أذكّرهم بدورهم الجليل في بناء أجيال المستقبل وتربيتهم على السلام؛ إذْ إن التربية على السلام والمحبّة ونبذ العنف من صميم التربية لمواطنة وتنمية مستدامة. وترعى اليونسكو منذ سنوات حملة عالمية للتعليم للسلام تهدف إلى بناء الوعي العام لإدخال تعليم السلام في كلّ مجالات التعليم، بما في ذلك التعليم غير النظامي (غير الرسمي)، في المدارس كافةً، كما تهدف إلى تشجيع جميع المعلّمين وتدريبهم على التدريس من أجل السلام؛ ذلك أنّ التعليم أفضل وسيلة طويلة الأجل لكسر دائرة العنف ووضع المجتمعات على طريق السلام.
وأستحضر هنا واقعيّا تجربتين: الأولى نظاميّة والثانية فرديّة؛ فأمّا النظاميّة فهي تجربة مدرسة "العلم نور الحياة" في مدينة "ميدوغوري" شمال شرق نيجيريا، والتي تبنّت منهجاً مبنياً على السلام يعزّز قِيم التسامح، والمساواة، والعدل، ونبذ العنف، لمواجهة فكر الكراهية الذي زرعته جماعة "بوكو حرام".
وأمّا التجربة الفرديّة، فلمعلّم من الجزائر ساهم بقدر كبير في صنع السلام في وطنه، وفي العالم؛ ذلك أنّ المعلّم والمربّي «ابن عطاء الله أحمد الحرزلي» عمل مدرّساً ردحاً من الزّمن فعلّمته الحياة الحبّ، فلم يحمل غلاًّ لأحد، ثمّ زار منذ سنة 1976 أكثر من 80 دولة مشياً على الأقدام، أو بالأوتو ستوب، داعياً إلى السلام، حتّى لُقّب بابن بطوطة الجزائريّ، وبحمامة السلام، ولم يبخل على بلده بجهده في نشر السلام، حين دخلت نفق الظلام مطلع التسعينات؛ إذْ شرع في (نوفمبر 1994) رحلة السلام بين الجزائريّين، كما أسّس جمعيّةً أطلق عليها اسم "في خدمة السلام"، وحين سُئل هذا المعلّم الرحالة عن غايته من هذه الرحلات، أجاب أنّ هدفه الوحيد هو إرساء السلام في أرجاء المعمورة من أجل الإنسانيّة جمعاء.
إنّ تحصين عقول الناشئة من الأفكار الظلامية لَهُو في ذمّة التعليم منهجا والمعلّمين تعليما وتدريبا؛ فالأطفال والمراهقون يتعرّضون لغزو فكريّ يحاول التغرير بهم، وجرّهم إلى مربّع العنف. وحتى نحول دون ذلك ونتفادى آثاره على الفرد والمجتمع، لابدّ من التعليم للسلام والتنمية المستدامة، فبذلك يساهم المعلّم والتعليم عموماً، في تطهير المجتمع من مظاهر العنف.
كاتب تونسي